يكره الإسلام أن تعالج الغرائز بالكبت العنيف، وأن تتملق بالإسراف البالغ، ويشرع لها المنهج الوسط، بين الإفراط والتفريط. وكما أن ضوابط الفطرة الحيرة في الإيمان والإصلاح، لا في الإلحاد والإباحية. فكذلك ضوابط هذه الغرائز النزقة . وفى كلتا الحالتين، لن يكون السياج المتين، إلا في الخلق المكين. فحيث يصف القرآن الإنسان بالضعف والتردد، والأثرة، يذكر أن النظافة من هذه الرذائل، عن طريق الدين ووصاياه فحسب: (إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا * إلا المصلين * الذين هم على صلاتهم دائمون * والذين في أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم * والذين يصدقون بيوم الدين * والذين هم من عذاب ربهم مشفقون * إن عذاب ربهم غير مأمون * والذين هم لفروجهم حافظون) . والمعروف أن الخلق لا يتكون في النفس فجأة، ولا يولد قويا ناضجا، بل يتكون على مكث وينضج على مراحل. وهذا سر ارتباط نمائه بأعمال متكررة، وخلال لها صفة الدوام كالصلاة والزكاة، والتصديق بيوم الجزاء، والإشفاق من عقاب الله.. الخ. وإذا كانت الطباع الرديئة دائمة الإلحاح على صاحبها، تحاول العوج بسلوكه بين الحين والحين، فلن يكفكف شرها علاج مؤقت. وإنما يُسكن ثورانها عامل لا يقل قوة عنها، يعيد التوازن على عجل إذا اختل. * * * * والخلاصة، أن الإسلام يحترم الفطرة الخالصة، ويرى تعاليمه صدى لها. ويحذر الأهواء الجامحة، ويقيم السدود في وجهها، والعبادات التى أمر بها هى تدعيم للفطرة، وترويض للهوى، ولن تبلغ هذه العبادات تمامها وتؤدى رسالتها إلا إذا كانت كلها روافد لتكوين الخلُق العالى، والمسلك المستقيم . ص _026