وقد كره الإسلام كذلك أن يطلب المرء العلم، حتى إذا نبغ فيه استكبر به على الناس، واتخذه وسيلة للشغب والمراء. وفى الحديث:"لا تَعَلمُوا العِلمَ لتباهوا به العُلماء، ولا تماروا به السفهاء، ولا تخروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار". إن العلم ـ على اتساع فنونه الدنيوية والأخروية ـ لم يزدهر ويصل إلى المرحلة التى بلغها إلا بالتجرد الحق، والتعالى عن الأغراض الصغيرة. وهذا لا يعنى ألبته أن يكلف العلماء والمتعلمون بتحمل مشاق العيش، والتعرض للأزمات المحرجة. فإن إخلاص النية، لا يستلزم إعنات المخلص، وتحميله الأذى. والعلل الناشئة عن فقدان الإخلاص كثيرة، وهى إذا استفحلت استأصلت الإيمان، وإذا قلت تركت به ثلما شتى، ينفذ منها الشيطان. وإنما يسخط الله عز وجل، على ذوى الأغراض والمرائين وغيرهم، من عباد المال والجاه، لأن المفروض في المسلم، أن يضحى بالأغراض والعلاقات والشهوات في سبيل الله، لا أن يذهل عن وجه ربه في سبيلها. وقد كان سحرة فرعون، آية في اليقين الصحيح والإخلاص العالى، عندما رفضوا الإغراء، وحقروا الإرهاب، وداسوا حب المال والجاه، وقالوا للملك الجبار: (فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ، إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا و ما أكرهتنا عليه من السحر و الله خير و أبقى) . وشتان بين هؤلاء الذين يستهينون بالدنيا في سبيل الله، وبين الذين يسخرون الدين نفسه في التقرب من كبير، أو الاستحواذ على عرض حقير . * * * ص _070