وإنها لجريمة مضاعفة أن ينتهك امرؤ الحرمات المصونة، ثم يستمع إلى من يبجلونه لا إلى من يحقرونه . (ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء) . وتحريم الإسلام للغيبة فيه محافظة على رجولة المسلم، وإمساك لعنصر القوة فيه، فإن الشخص الذى ينخنس ليُنفس عن أحقاده في الخفاء بذكر المعايب المستورة أو المعروفة، هو لا شك شخص وضيع . والرجل الذى يأنس من نفسه قوة الاستجابة لدواعى الحق يواجه من شاء بما شاء ولا يتوارى ليطعن من وراء ستار . وليس معنى ذلك أن نجابه بالسوء من نود مساءتهم . بل إذا وجدنا في امرئ ما عيبا فنحن بإزائه بين أمور معينة: إن كان هذا العيب عاهة في بدنه، أو ضآلة في مرتبته، فمن السفاهة التشنيع عليه به عيانا أو غيابا . وإن كان ذنبا انزلق إليه وليس من شأنه أن يقارفه ، إنما هى كبوة الجواد، فمن الدناءة أن نفضح مثله، وأن نشهر بين الناس به . وإن كان العيب الذى وجدناه جرأة مستهتر أو معصية مجاهر، فهذا الذى يجب أن يقابل بكلمة الحق. تقرع أذنيه دون مبالاة . ولكيما تكون هذه الكلمة خالصة ينبغى أن تبتعد عن مشاعر الشماتة وحب الأذى. وأن تقترن بالرغبة المجردة في تغيير القبيح، وإصلاح الفرد والجماعة . وليس من هذا ألبته أن تذكر العاصى بشر عند أعدائه لتقترب من قلوبهم، أو لتطعم من موائدهم، أو لتتظاهر بالبراءة من الخصال التى ذممتها فيه . قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يُطعمه مثلها من جهنم، ومن كسى ثوبا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله من جهنم ومن قام برجل مسلم مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة". إن الغيبة شيمة الضعاف"وكل اغتياب جهد من لا جهد له". * * * ص _098