فهرس الكتاب

الصفحة 521 من 809

"القسم الأول:"

هو الأصل والمعتمد، والذي عليه مدار الطلب، وإليه تنتهي مقاصد الراسخين، وذلك ما كان قطعيا، أو راجعا إلى أصل قطعي، والشريعة المباركة المحمدية منزلة على هذا الوجه، ولذلك كانت محفوظة في أصولها وفروعها؛ كما قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ؛ لأنها ترجع إلى حفظ المقاصد التي بها يكون صلاح الدارين، وهي: الضروريات، والحاجيات، والتحسينات، وما هو مكمل لها ومتمم لأطرافها، وهي أصول الشريعة، وقد قام البرهان القطعي على اعتبارها، وسائر الفروع مستندة إليها؛ فلا إشكال في أنها علم أصيل، راسخ الأساس، ثابت الأركان"."

"القسم الأول":

وهو العلم الضروري.

"هو الأصل والمعتمد":

الأصل والمعتمد أي الذي تقوم عليه بقية العلوم وهو قاعدة لها، وهو الذي تتفرع عنه العلوم جميعها.

وسيأتي الكلام أن من شروط هذا العلم الضروري أنه لا يجوز إلغاؤه، ولا يجوز تجاوزه، لأنه هو القاعدة وبقية العلوم فرع تعود إليه، ولا يجوز أن يعود الفرع على الأصل بالإبطال.

قال:"والذي عليه مدار الطلب":

هذا هو العلم الذي يجب أن يسعى إليه العلماء والساعون، وسيبين لنا الشيخ كيف يحصل هذا العلم، وكما تقدم ذكره، فالشيخ يرى أن الأصول مأخوذة من فروع ظنية، ولكنها اجتمعت حتى حصل بها اليقين، فبهذه الفروع المتكاثرة والمجتمعة حصل اليقين والقطع.

وقد ذكرنا جملة مهمة جدًا، قالها ابن العربي وهي أن:"الفروع مأخوذة من اللفظ، وأما المقاصد أو العلل؛ فمأخوذة من المعنى". وفي هذا تنازعٌ بين أهل العلم لأن اللفظ النبوي جاز روايته بالمعنى، فهل يجوز أن نتعامل مع اللفظ في الحديث كما نتعامل مع اللفظ في القرآن؟ الجواب: لا، بلا شك، فقد تقدمت القاعدة بأن القرآن لا يعدله شيء؛ ولكن لا يعني تجويز العلماء للمحدِّث أن يلفظ الحديث بالمعنى أن نُسقط قيمة اللفظ، وهذه مسألة وقف عندها ابن الهمام الحنفي في (فتح القدير) ، وهو يرى أن اللفظ النبوي لا يصلح أن يُشتق منه الحكم، بل يجب النظر إلى المعاني، وهذا خطأ.

ولأن الأحناف هم أئمة البحث في المعاني، والعلل عندهم هي الأصل؛ هم يردُّون أحاديثًا بحجة كونها مخالفة للقياس، وهذه المسألة سنتكلم عنها فيما بعد إن شاء الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت