فهرس الكتاب

الصفحة 708 من 809

ولذلك؛ الخطاب العلمي الصحيح هو خطاب الإنسان، وهذا رأيناه في كلام الشاطبي -رحمه الله-، فمع أنه يتكلم في الأصول، والأصول -كما قلنا- ستار حديدي وبناء عقلي متين قلَّما تجد للعاطفة مكانًا فيه؛ لكنه يختلف هذا السور ليتكلم عن الإنسان، هذه ميزة لكلام هذا الرجل الذي يريد أن يتذوق، لا يريد فقط أن يعقل، يريد أن يتذوق لتحصل متعة العلم؛ فالعلم له متعة، وليس فقط المتعة العقلية بل هي المتعة الإنسانية الجميلة التي تتلاءم مع الحق، ولذلك رأينا هذا بيِّنًا في كلام الشيخ.

-لا يكون الرجل أصوليا دون إلمام بالفروع

ثم كما تقدم من الكلام رأينا أنه لا يقف على ما يسمى بالعقل الذري، وهذه قضية مهمة، ما المقصود بالعقل الذري؟ هو الوقوف فقط على الفروع، الفروع لوحدها لا تنشئ إنسانًا سويًا، بل لا بد لهذه الفروع من أن تكون لها قواعد، هذه القواعد ينشئها الاستقراء. الفروع لا تنشئ إنسانًا سويًا يقدر على الحكم على النوازل، ولكن الذي يضبط ويقوي العمل والاجتهاد في النوازل إنما هي القواعد، الأصول، وهذه الأصول إنما تنشأ بالاستقراء؛ ولذلك فالمطلوب من العالم أن يكون له عقل كلي، لا يكون ذريًا ولا جزئيًا.

المصيبة -وشيخ الإسلام ذكر هذا- أن من لا يكون له أصل يرجع إليه؛ فإن خطأه يكون أكثر من صوابه، فلا بد أن نفهم هذه قضية، نحن لا نريد فقط أن ندرس فروعًا، نريد أن ننشئ عقلًا أصوليًا، والعقل الأصولي هو الذي توجد لديه القواعد التي يستطيع أن يحكم بها، هذه القواعد تتشكل من الفروع؛ ولذلك الفروع هي أساس القاعدة، والقاعدة ضابطة للفروع. ولو سأل سائل: ما الأقوى؟ لكان الجواب: أنه لا يصح وجود أحدهما دون الآخر، فالعلاقة بين الأصول والفروع كالعلاقة بين القلب الجامع والدم المتفرع في الشراريين والعروق، لا بد منهما.

فلا يكون الرجل أصوليًا دون إلمام بالفروع، وهذه قضية يجب أن نهدمها، وقد قالها بعض الأوائل، الغزالي أراد أن يبنيها كما تقدم ونقد أبا زيد الدبوسي الحنفي لأنه أكثر في كتابه (الأصول) من الفروع، واعتبر هذا منهجًا يخالف طريقة الأصوليين، وهذا غير صحيح، هذه الفكرة يجب أن ننسفها، لأنه لا يصح أن يكون الرجل أصوليًا دون أن يكون فقيهًا، ولا يصح أن يكون فقيهًا دون أن يكون أصوليًا؛ فالفقيه إنما هو الذي يعرف أصول الفروع، والأصولي هو الذي يعرف كيف بنيت هذه الأصول، والأصول لا تعرف إلا بفروعها، والفروع لا تضبط إلا بأصولها، هذه قضية يجب أن نفهمها.

والشاطبي إمام في هذا، فهو ما ذكر مسألة إلا وقد أرجعها إلا الكتاب والسنة وأرجعها إلى كلام العلماء، وهذا دليل استقراء هذا الرجل وغوصه وعيشه مع القرآن الكريم: عاش مع القرآن الكريم، عاش مع السنة النبوية، عاش مع كلام العلماء، عاش مع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت