الدرس [37]
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين وإمام المتقين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اليوم هو الدرس السابع والثلاثون من دروس شرح (الموافقات) للإمام أبي إسحاق الشاطبي.
كان الشيخ يتكلم عن المباح، ورد على من جعل المباح تابعًا لبعض الأحكام الأخرى، وخصوصًا للمنع.
ورد على من أراد أن يمنع المباح لأسباب داخلة عليه؛ فالشيخ يفرق بين أصل الحكم وبين دخول غيره عليه بحيث يغيره إلى الأحكام الأخرى، وهذا الأمر هو تمرين للمجتهد وللمفتي في النوازل: بألا ينظر فقط إلى أصل الشيء كما هو في كتاب ربنا وكما هو في أصل الفقه، ولكن عليه أن ينظر إليه باعتبار واقعه وما يدخل عليه من الأحكام الوضعية الأخرى التي ترفع الحكم الأصلي إلى حكم آخر.
وهذا من ميزات هذا الكتاب، وهو أنه يدخل في عمل المجتهد دخولاً قويًا حتى يعلم المجتهد والمفتي هذه القضايا المهمة.
فهو ردَّ على من أتى بالأدلة -أحاديث وآيات- التي ساقها من قال بأن المباح فيه مضار، وقال أن:
أولا: الكلام في أصل المسألة وأن المباح هو من حيث أنه مباح متساوي الطرفين بين اختيار الترك واختيار الفعل.
"وَالثَّانِي: أَنَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى كَوْنِهِ وَسِيلَةً فَلَيْسَ تَرْكُهُ أَفْضَلَ بِإِطْلَاقٍ، بَلْ هُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:"
-قِسْمٌ يَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَى مَنْهِيٍّ عَنْهُ، فَيَكُونُ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ مَطْلُوبَ التَّرْكِ.
-وَقِسْمٌ يَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَى مَأْمُورٍ بِهِ؛ كَالْمُسْتَعَانِ بِهِ عَلَى أَمْرٍ أُخْرَوِيٍّ؛ فَفِي الْحَدِيثِ: (نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ) ، وَفِيهِ: (ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَا وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ ... ) ، إِلَى أَنْ قَالَ: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) ، بَلْ قَدْ جَاءَ أَنَّ فِي مُجَامَعَةِ الْأَهْلِ أَجْرًا، وَإِنْ كَانَ قَاضِيًا لِشَهْوَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَكُفُّ بِهِ عَنِ الْحَرَامِ. وَذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ كَثِيرٌ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ وَسَائِلَ إِلَى مَأْمُورٍ بِهِ، كَانَ لَهَا حُكْمُ مَا تُوُسِّلَ بِهَا إِلَيْهِ"."