فهرس الكتاب

الصفحة 660 من 809

ولما نتكلم عن ابن طفيل، وقصة حي بن يقظان [1] ؛ فالذي كتبه ابن طفيل -الفيلسوف الأندلسي- أن طفلًا رماه البحر إلى جزيرة وربته الغزالة، ونشأ وبدأ يتعرف على الإله -إلى آخره- حتى وصل إلى الإيمان الكامل، فهو صاغ قصةً لكنه أراد عقيدةً، وهو أن الإنسان بفطرته مستغنٍي عن الوحي، وأن الفيلسوف بفكره يصل إلى ما يصل إليه النبي بالوحي، والدليل: الطفل عاش في الجزيرة لوحده وتأمل ووصل لقضية الحقائق من غير وجود ضرورة الوحي، ولما ذهب للمدينة التقى بالشيخ الإمام، فالتقت فكرته -أي: الفيلسوف- مع فكرة الوحي، هذا الذي أراده.

قال:"والكتب وحدها لا تفيد الطالب منها شيئا، دون فتح العلماء، وهو مشاهد معتاد":

تكلمنا عن إمكانية مقاربة بالكتاب في وصولك لحالة الجلوس مع العلماء، لكنها ليست تامة، ولا يمكن أن يحصل هذا أبدًا على وجه الكمال.

"والشرط الآخر: أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد؛ فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين".

وهذه الكلمة من الشيخ عظيمة وصحيحة لكن غير مقبولة، وأنا أتحدث عن زماننا، والسبب: الناظر إلى الكتب الأقدمين وكتب المتأخرين يجد فرقًا مهمًّا بينها؛ وهو أن الناس كلما قلَّ علمهم احتاجوا إلى الشرح أكثر، ولذلك الأوائل يقولون أن البلاغة هي"اللمحة الدالة"، فكانت كتب الأقدمين كتب قليلة، كما قال ابن رجب في (فضل علم السلف على الخلف) :"كلامهم قليل لكنه عظيم"، وكلام المتأخرين كثير لكنه أقل جودة وأقل منفعة ولكنه ضروري، لأنه كلما قلّ علم الرجل احتاج للشرح أكثر؛ فالشرح نشأ لقلة العلم وليس لكثرته، ومن هنا ما قاله زاهد الكوثري -رحمه الله- في المقارنة بين (مشكل الآثار) للطحاوي وبين (اختلاف الحديث) للشافعي، وأن كتاب الشافعي كتابٌ صغير والآخر كبير فأشمل وأحسن، وهذا من الجهل.

(1) حي بن يقظان قصة كتبها ابن سينا، كل واحد كتب قصة بطريقة ما لينشر فكرة ما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت