فهرس الكتاب

الصفحة 696 من 809

الخلاف بين العلماء سبيلًا للتلاعب بالشريعة، هذه قاعدة لا بد أن نفهمها لأنها تمارس اليوم ممارسة واضحة وبينة، وهي تدل على ما قاله علماؤنا:"لو أخذت بزلة كل عالم تجمع فيك الشر كله". ولما أُحضر كتاب الخلاف إلى الإمام أحمد، وهو كتاب جمع ما قاله الفقهاء من الرخص والأخطاء وجعلها فقهًا، جمع مثلًا إتيان النساء من أدبارهن، والقول بشرب الخمر، والقول بجواز الصرف -كما هو منسوب لابن عباس في قضية عدم حرمة ربا الفضل- .. إلخ، فلما رأى الإمام أحمد هذا الكتاب؛ قال:"هذا كتاب الكفر". ولذلك -وهي كلمة أخرى نحفظها-:"من أخذ بزلة كل عالم فقد تزندق". إذًا ليس كل خلاف معتبر، والاتكاء على خلاف العلماء للخروج من التكليف هو أعظم ما يريده الشيطان، وهو إسقاط التكليف.

النقطة الثانية: هل كل مجتهد مصيب؟

هناك من يقال لهم المصوبة وهناك من يقال لهم المخطئة:

المصوبة هم الذين يعتبرون كل فقيه قد أصاب، والصواب الذي عليه السنة أن الحق واحد لا يتعدد، ولا يمكن أن يقول أحد بأن قولين متعارضين كلاهما هو حكم الله للعبيد، هذا لا يصح؛ فإنه لا يجوز أن يكون لله حكمان في أمر وهما متعارضان -لأنه يوجد خلاف تنوع وخلاف التضاد-، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب؛ فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ؛ فله أجر) ، إذًا يمكن للقاضي والحاكم والمفتي أن يخطئ، كما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حدثه أحدهم برؤيا فقال له أبو بكر:"دَعْنِي أَعْبُرُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ"، فأولها وسأل رسول الله عن تعبيره، قال: (أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا) . والذي هو في الرؤيا هو في الفتوى. ولو كان كل مجتهد مصيب لما خطَّأ الصحابة بعضهم بعضًا، ولذلك قالت عائشة:"أخبروا زيدًا بأنه قد بطل جهاده وحجه مع رسول الله"، لأنه قال مسألة من مسائل البيوع في الربا، كلمة عظيمة قالتها.

فالمخطئة رتبوا على هذا بأنه إذا أخطأ العالم؛ يرد عليه بمقدار خطئه، وقد يثرب عليه، وقد يرد عليه من غير تثريب على حسب ما يرى الفقيه من مقدار خطئه في الباب.

إذن المصوبة هم الذين قالوا أن كل مجتهد مصيب، فالذي قاله الفقيه هو مصيب فيه، إذًا هو حكم الله، إذًا يسع المكلف، ونهاية الأمر أن الشريعة التي اختلف فيها الناس تسع المكلفين؛ فأنتجت هذه القضية: وهي قضية الخروج من الخلاف، وقد قالها الشعراني -وشرحتها مرة-، ونهاية الأمر الذي وصل إليه الشعراني في (الميزان الكبرى) هو قوله أن خلاف الفقهاء يسع المتعبدين: فلما يأتي فقيه يقول عن أمرٍ أنه حلال، ويقول آخر عنه مكروه، والآخر حرام؛ فالعابد على جهة السابق يقول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت