بالحرمة، وعلى جهة المقتصد يقول بالكراهة، وعلى جهة الظالم لنفسه يقول بالإباحة! إذًا الشريعة بخلاف الفقهاء وسعت المتعبدين، والمتعبد ينظر.
واليوم للأسف تطورت هذه القضية إلى جهة التيسير، فيسع الناس كلهم جهة الظالم لنفسه، وهذا ما يعنيه فقه التيسير الذي يقول به مشايخ اليوم، ويقصدون به أن الأمة كلها صارت على مرتبة الظالم لنفسه، فإذا قال فقيه حرام وقال فقيه مكروه والثالث قال حلال؛ إذًا هو حلال، هذا هو التيسير، وهذا -كما تقدم في الأول-: لو أخذت بزلة كل عالم تزندقت.
وقد أخذوا بجواز الربا في دار الحرب، مع أن أصولهم لا تقول بأنها دار حرب، يتلعبون ويأخذون جزء الكلام، كمن يأتي للحديث فيأخذ نصفه -وهو بنفس السند- فيصححه لأنه يوافق مذهبه، وإذا جاء للنصف الثاني رفضه وضعفه! وقد سئل بعض المشايخ عن الربا في المغرب، قال: هي دار حرب فيجوز، ثم هو يرى أن هذه الدار هي دار إسلام في باب آخر!
فقه التيسير هو في الحقيقية منبع الزندقة وترك الشريعة: حل الربا، الإباحات العجيبة في قضية اللباس والحياة الاجتماعية، ما يجيزون من العمل، إلى غير ذلك. بل وصل قولهم إلى جواز العمل مع جيوش الكفر تحت باب المصلحة والتيسير على الناس، قيل لأحدهم: لمَ تفتي بحل الموسيقى؟ قال:"كيف نريد أن ندخل الإفريقيين في الإسلام وهم لا يمكن لهم أن يتركوا الموسيقى؟"، هذا منهجه، يعني أننا نتنازل كي يدخلوا في الإسلام، وما منهج القرآن؟ منهج القرآن قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} ، فمنهج القرآن هو ابتلاء الناس في الأحكام ليعلم الله -عز وجل- من يكون مسلمًا حقيقة ومن يظهر نفاقه فيرتد، هذه هي القضية، هذا منهج القرآن، وهذا في المسائل العلمية أيضا وليس فقط في المسائل الكونية: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخبيث من الطيب} . جبلة بن الأيهم الغساني دخل في الإسلام فطاف يومًا في الحرم فوطأ ثيابه رجل عامي فلطمه، فطلب عمر منه القصاص، أجله إلى ثاني يوم فهرب إلى الروم وارتد، هل عمر هو المعيب؟ لو كان من فقهاء العصر لسبوا على عمر وقالوا: هذا ملك، ترفق به! هذا هو الفقه الذي يريد بعض الناس أن يمارسه لئلا يفتن الناس، يقول أنهم لن يحتملوا زيادة تكليف. وليس هذا الكلام في المستحبات؛ إنما الكلام في قضايا الواجبات والأركان؛ فمنهج القرآن هو ابتلاء الناس، ولذلك يجب إعلان الدين، والناس بعد ذلك يدخلون فيه مع معرفتهم بالحق، ولئن يعيش الناس مع الغلط مع إقرارهم أنه غلط خير من أن يفعلوا الباطل مع اعتقاد حله؛ فهذه جريمة وقد تصل للكفر، والأولى معصية؛ لأن فعل الناس الباطل مع اعتقادهم بأنهم آثمون خير من أن يفعلوا الباطل وهم يعتقدون أنهم مصيبون، طبعًا المرتبة الأعظم هي ألا يفعلوا الباطل ألبتة، ولكن نحن نقارن بين ثنائية قد لا تجد غيرها، لا تجد إلا أحد الحدين.