وغير المتنقلة، وهذا كان يسع أبا ذر ولا يعاب عليه، ولكن لا يسع الأمة. ولذلك عثمان -وهو أفقه منه- منعه من هذه الفتوى، وكان مما حدث أن خرج إلى الربذة وبقي فيها إلى أن وافته المنية -رضي الله تعالى عنه-.
فهذه تجربة تبين بأن الفقيه هو من ينظر إلى الفقه الذي يمكن أن يطبق الناس من غير خروج عن عادتهم، وعن مجرى حياتهم، وضربنا أمثلة في هذا.
انتهينا من القضية الأولى التي مثل بها الشيخ على انخرام القاعدة (قضية الصوفي) .
المسألة الثانية دقيقة وهو لا يفصل فيها كما فصل في الأول، لأن الأولى واضحة وبينة، والثانية فيها ما فيها من الكلام:
"والثانية: مسألة الورع بالخروج عن الخلاف؛ فإن كثيرًا من المتأخرين يعدون الخروج عنه في الأعمال التكليفية مطلوبا، وأدخلوا في المتشابهات المسائل المختلف فيها":
هذه الجملة فيها عدة قضايا ينبغي بيانها:
الأمر الأول: الفرق بين المسائل الخلافية والاجتهادية.
علينا ابتداءً أن نبين ما هي المسائل الخلافية، والتفريق -على الصحيح- بينها وبين المسائل الاجتهادية. الكثير من الأصوليين -كما يذكر ذلك شيخ الإسلام بن تيمية- والفقهاء لا يفرقون بين المسائل الخلافية والاجتهادية؛ فيجعلونهما شيئًا واحدًا، والصواب: التفريق. والفرق أن ليس كل خلاف يصح فيه الاعتبار؛ إذ المسائل الخلافية أوسع من المسائل الاجتهادية؛ فالمسائل الاجتهادية هي ما جاز فيها الاجتهاد واحتمله الخلاف، ولا يكون قولٌ فيها أقوى من الآخر إلا بنسبة وليس مطلقًا؛ فهي إذن المسائل غير المنصوص عليها التي لم يتبين فيها وجه الحق على جهة القطع، إنما يقول فيها الفقيه:"اجتهدت وأرجو أن أكون قد أصبت ولا أخَطِّئ غيري على جهة اليقين، وأرد على غيري ولكن ليس على جهة اليقين"، كأن يكون مبناها على القياس .. إلخ.
لكن هناك مسائل كثيرة خلافية الخلاف فيها غير معتبر؛ فالمسائل الخلافية أوسع، وهناك مسائل خلافية لا ينبغي أن يذكر فيها الخلاف إلا على جهة بيان الخطأ من المخالف. وهذا يرمي بنا إلى شيء آخر: أنه ليس كل خلاف معتبر، ولا يجوز أن يُتخذ