"وأما مجاري الأساليب؛ فمثل قوله: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا} إلخ [المائدة: 93] . فهذه صيغة عموم تقتضي بظاهرها دخول كل مطعوم":
قوله: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} ،"ما طعموا"هذه صيغة عموم، يعني: أي شيء أكلوا، إذًا هاتان صيغتان: الأولى:"على الذين آمنوا"، والثانية:"ما طعموا": أي شيء طعموا، فهي من صيغ العموم.
"فهذه صيغة عموم تقتضي بظاهرها دخول كل مطعوم، وأنه لا جناح في استعماله بذلك الشرط":
الشرط أن يأكل المرء أي مطعوم إذا ما اتقى.
"ومن جملته الخمر، لكن هذا الظاهر يفسد جريان الفهم في الأسلوب":
لكن هذا الظاهر -وهو قصده العموم: أي طعام- يفسد جريان الفهم في الأسلوب.
"مع إهمال السبب الذي لأجله نزلت الآية بعد تحريم الخمر؛ لأن الله تعالى لما حرم الخمر؛ قال: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: 93] ، فكان هذا نقضا للتحريم، فاجتمع الإذن والنهي معا؛ فلا يمكن للمكلف امتثال":
هذه الآية من سورة المائدة، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} ثم قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} ثم قال -سبحانه وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} إلى آخره الآية. يقول الشيخ: لا بد أن الكلام لا ينقض بعضه بعضًا: كيف ينهى عن الخمر خصوصًا ثم يجيزها هنا؟ وهل الشراب طعام؟ لأنه قال: {فيما طعموا} ، هل الشراب طعام؟ أما من جهة التخصيص؛ فلا، وأما من جهة العموم؛ فنعم، لأنه من الطعم، ولذلك قال -سبحانه وتعالى- في سورة البقرة: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} ، ماذا قال؟ {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ} ؛ فسمى الماء المشروب من النهر طعاما.
قال:"فكان هذا نقضًا للتحريم":