الشيخ هنا أسندَ الدليل إلى الواقع وإلى ما حسه، لما تجلس عند العلماء؛ تحس بمعاني لا تحسها عندما تقرأ، والدليل؟ اقعد وسترى!
"فكم من مسألة يقرأها المتعلم في كتاب، ويحفظها ويرددها على قلبه فلا يفهمها، فإذا ألقاها إليه المعلم فهمها بغتة".
لا إله إلا الله، ولذلك يقال في بعض قراءات القراء للقرآن أن قراءتهم كأنها تفسير، فأنت تقرأ الكلمة فلا تفهمها، ويقرؤها غيرك كأنه فسرها.
"وحصل له العلم بها بالحضرة".
"الحضرة"تعني الحضور، وهو منفذ العلم.
"وهذا الفهم يحصل إما بأمر عادي من قرائن أحوال، وإيضاح موضع إشكال لم يخطر للمتعلم ببال، وقد يحصل بأمر غير معتاد، ولكن بأمر يهبه الله للمتعلم عند مثوله بين يدي المعلم، ظاهر الفقر بادي الحاجة إلى ما يلقى إليه".
يقول هي سنة جارية في العلم، هكذا هي سنة عادية أن الحضور أمام المتكلم والاستماع من الخبير تعطي معانٍي أكثر مما تقرأ لما يكتب.
"وهذا ليس ينكر؛ فقد نبه عليه الحديث الذي جاء:"إن الصحابة أنكروا أنفسهم عندما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وحديث حنظلة الأسيدي؛ حين شكا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم إذا كانوا عنده وفي مجلسه كانوا على حالة يرضونها، فإذا فارقوا مجلسه زال ذلك عنهم؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لو أنكم تكونون كما تكونون عندي؛ لأظلتكم الملائكة بأجنحتها) "."
إذا جمعنا هذا الحديث مع قوله - صلى الله عليه وسلم: (إن الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام) ؛ فالمقصود أن العلم يحصل به رفقة الملائكة، والرفقة تدل على المصاحبة، ولا تحصل الرفقة إلا بموافقة، الحب ينشأ بالموافقة، والمرء لا يحب من لا يوافقه في معنى من معاني النفس، لذلك المؤمن يحب المؤمن والفاسق يحب الفاسق، ولذلك قيل لأحدهم:"فلان يحبك"، فقال:"والله ما أحبني إلى"