بسم الله الرحمن الرحيم
تفريغ
الدرس الواحد والعشرون
من شرح الشيخ عمر محمود أبو قتادة
لكتاب (الموافقات) للإمام الشاطبي -رحمه الله-
مُؤسَّسَة التَّحَايَا
قِسْمُ التَّفْرِيغِ وَالنَّشْرِ
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه الغر الميامين، فهذا هو الدرس الحادي والعشرون من دروس شرح كتاب الإمام/ أبي إسحاق الشاطبي، المُعنون بـ (الموافقات) .
إذًا نحن ما زلنا في المقدمة الثامنة التي تتحدث عن مراتب العلم المعتبر شرعًا، ووصلنا إلى المرتبة الثالثة، تفضل.
"والدليل على صحتها من الشريعة كثير؛ كقوله تعالى: {مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 9] ."
ثم قال: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] .
فنسب هذه المحاسن إلى أولي العلم من أجل العلم، لا من أجل غيره.
وقال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} [الزمر: 23] .
والذين يخشون ربهم هم العلماء لقوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] .
وقال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} الآية [المائدة: 83] "."
ما زلنا أيها الإخوة الأحبة مع المرتبة الثالثة من مراتب العلماء، وقد فرغنا بما قدرنا عليه من شرح المرتبة الأولى والثانية، وقلنا بأن المرتبة الأولى هي مرتبة المقلدين -على طريقته-، والمرتبة الثانية: الذين بقي العلم في عقولهم ولم يُخالط نفوسهم، فيذهبون إليه على جهة حمل النفوس على التكليف، وقلنا بأن المرتبة الثالثة التي عناها الشيخ هي مرتبة من اختلط العلم بنفوسهم.
وأنا أكرر ما قلته سابقًا بأن الحديث عن مراتب العلم من جهةٍ عقليةٍ سهلٌ ميسور، وأما الحديث عن مراتب العلم في النفوس، فشيءٌ عسير. وهذا هو شأن الحديث عن النفس، فشأن الحديث عن النفس ليس باليسير؛ لأنه حديثٌ عن الواضح الخفي، هو واضحٌ لأنه حديث في النفس، تحس به، هذا أنت تشعرُ به، فهذا من جهة يُسره، وأما من جهة عُسره؛ فلأن النفس ليس لها ضابطٌ حَدِيٌّ كضابطِ العقول والماديات، الماديات يمكن أن تحصِرَها، تقول: هذا طوله كذا، وعرضه كذا، أما العلوم فليست كذلك، لا يوجد علم يختلط في النفوس وحَدُّه كذلك.
ولذلك الذين يَنفُون علوم الشريعة بزعم وجود حالة النفس فيها جاهلون بعلوم الشريعة، هذه نقولها لأن الكثير من الجهلة ومن خصوم الإسلام -وخاصة من المستشرقين وأتباعِهم- يزعمون أن علوم الشريعة -مثل علوم الحديث، ومثل علوم الأصول وغيرها- ليست من العلوم؛ لأنهم يقيسونها بعلوم الماديات؟ ولما غلبت الماديات في هذا الزمان وفي هذا العصر، وسُمِّيَ ما جرى فيها من قوانين بأنها علوم، ألِفوا أن يُطْلِقوا على علوم النفس -التي فيها مجال النسبية-، ألِفوا أن يُسمُّوها علومًا، واضح؟
طيب أين المدح في هذا؟ المدح في هذا أن قواعد علوم الشريعة ثابتة، ولكن من رحمةِ الله أنه ترك كثيرًا من الأمور لمجال جريان النفس؛ لأن المقصودَ من العلمِ هو العمل، والمقصود من العمل هو إحداثُ معنى القلب. ما المقصود من العمل؟ {وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} ، المقصود من العمل هو أن تحْصل معاني في القلب، حين تعمل أنت عملًا، المقصود منه أن تُحَصل الإيمان والهداية، أن تُحَصل معاني القلوب، هذا هو مقصود الأعمال. ومعاني القلوب قواعدها صحيحة، ومراتبها غير متناهية، هل هذا صحيح حتى في النبوة؟ نعم، حتى في النبوة. هل الأنبياء يتفاوتون؟ هل الأنبياء يركضون لتحصيل معاني لم يُدركوها ويريدون إدراكها بالعمل؟ الجواب: نعم.
الآن، أنا أتكلم عن معاني نفسية، ارجع إليها بالعقل، سيقول لك: هي كذلك. هذا يجب أن تَحُسَّ به فإن لم تَحُسّ به فاتك علمٌ كثيرٌ.
أكرر الكلام لأنه مهم: المقصود من العلم هو حصول العمل، والمقصود من العمل حصول معاني في القلوب (علوم) ، وهذه مراتبها لا تنتهي، فلو سأل سائل: هل هذا المعنى يجري مع الأنبياء؟ الجواب: نعم؛ ولذلك الأنبياء في قلوبهم ترتفع درجاتهم بمعاني تحصل في قلوبهم وهم في القبور؛ لعباداتهم، وذكرهم، إلى آخر ذلك، حتى يوم القيامة: انظروا إلى قوله -صلى الله عليه وسلم-: (فيفتح الله عليَّ من المحامد ما لم يفتحه على أحد) ، يعني أنه لم يُفتح عليه بها حتى في الدنيا، ولكن يَفتح عليه من معاني الحمد ومن ألفاظ الحمد -ألفاظ الحمد التي هي معاني، هي إبانة عما في نفسه- ما لم يعرف في الدنيا، فدلَّ على أن المعاني أمرٌ لا ينتهي، فلما كان بهذا الحد، حينئذٍ يُترك تحديده إلى نفسِ الناظر، هو شيءٌ أُحِسُهُ في قلبي، وانتهى الموضوع، لكن هذا بقواعد العلم، وبأصوله، وبضوابطه.
فالحديث عن النفس من أشق ما يكون؛ لأن أمرَ هذا الدين هو أمرٌ ديني، أمرُ تعبُّد، فيجب أن تفهمه، ويجب أن تَعِيَهُ، ويجب أن تفهمه في نفسك، يجب أن تعيش به.
ولذلك أيها الإخوة الأحبة، الآن نحن في جلساتنا هذه -الآن هذا الدرس الحادي والعشرون-، من لم يتغير قلبُه -بمعنى لم يتغير عمله- فلم يستفد شيئا. في كل درسٍ، إن لم تشعُر أن قلبكَ قد ترقَّى، بمعنى أن عملك قد ترقَّى فلم تستفد شيئا؛ لأن العمل هو الأساس: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} ، فيحصُل القرب، وبدأت الآية بـ: {اقْرَأْ} ، وانتهت بالسجود، هذه هي مناسبة هذه السورة العظيمة التي ابتُدئت بهذا اللفظ وانتهت بالقرب، {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} ، وانتهت ب: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} ؛ فمن لم تُحصِّل القراءة لديه السجود الذي يحصُل به الاقتراب، فهو يضيع وقته ولْيَبحث له عن شيء آخر، من لم يقترب من الله لما يَحصل إليه من القراءة فهو لم يستفد شيئا، والقراءة باب عظيم من السماع، من النظر، من الاعتبار، القراءة هي شمول نظر العقل في الوجود، بأي وسيلة كانت، القراءة هي شاملة لأمر الوجود كله، نظرًا بالنظر، نظرًا بالعقل، تأمّلًا، سماعًا، إلى آخره.
هذه المرتبة من مراتب النفوس يجب أن نَعِيَها، يجب أن نفهم مقصدها: أنتَ لما جئتَ، هل اقتربت من الله؟ هل بان لك شيء جديد من نفس ربك لم تعلمه من قبل؟ هذه الإبانة التي حصلت في قلبك من أمرٍ جهلته من نفس الرب ثم علمته، معناها أنك ازددت عبادةً؛ لأن هذا الرب كلّما علمته، كلما ازدت حبًا له، وكلما ازدت خوفًا منه، وكلما ازدت محبةً لقربه، هذا الرب هذا شأنه، هذا الإله العظيم شأنه أنه كلما اقترب العبد منه، ازداد عبوديةً له، ما هي العبودية؟ حبًا له، خوفًا منه، رجاء له، وهكذا، هذا علم.
ولذلك، هذه المسائل أيها الإخوة الأحبة، نحن نُقَعِّد لها القواعد اللفظية لأنها هي المراتب الأولى، وأما بعد ذلك فـ: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} ، هل ينتهي ترقِّي النبي؟ لا ينتهي حتى يوم القيامة. هل يترقى في الجنة؟ كذلك في الجنة يترقى، لا ينتهي ترقِّي المرء؛ ولذلك زيادة العلم هي زيادة اللذة، حتى يصبح العلم لهم لذةً حتى وإن عانوا به وأصابتهم المشقة.
وهذا رد على من يزعم أن هناك مجال من العلم هو أمر نفسي، لماذا هو أمر نفسي؟ لأنه أمر التعبد: اركض اركض، {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} ، (من أتاني يمشى أتيته هرولة) ، وكلما أتيت إليه أتى إليك -جلَّ في عُلاه-.
هذه هي المرتبة التي تحّدث عنها شيخنا -رحمة الله عليه-، وقال بأنها حين يُصبح هذا العلم وصفًا ثابتًا للعالِم، -أي حركة نفس-.
وأجَلُّ ما قلته في الدرس الفائت هو أن يصبح الذكر حركةً لا إرادية: (يُلهَمون التسبيح كما يُلهمون النَفَس) ، العلم يُصبح حركة نفْس، كيف حركةُ نفْس؟ أنت ستعيشها، ستفهمها، ستفهمها باللفظ حين تأتي إلى القرآن، فتصحو من نومك؛ لأنك مصاحبٌ له وأنت تقرأ القرآن، ولأنك مصاحبٌ للقرآن تصحو فتعجبُ، تقوم وأنت تردد الآية، وأنت تجلس على البُسُط والفُرُش وأمر ذكرك فوق العرش، هذا هو شأنك، أن تنظرَ إلى نَفْس الرب: ما نظره إلى هذا الوجود؟ هذا الشيء ماذا يريد منه؟ هذا الحَدَث ماذا يريد به؟ هذه الآية ماذا تريد؟ عيشك مع هذا الكتاب، وعيشك مع الكتاب المنظور ومع الكتاب المقروء في الوجود، هذا هو حركة النَّفْس: أن يُصبحَ العلمُ حركةَ نفْس، هذه مرتبةٌ عظيمة، بلا انخلاعٍ عن بشريته.
أنا أقول لكم، مما كنت أتعجب منه ولا أفهمه وكثيرا، لأنه من الأمور ما لا أفهم حتى أحسها، فإذا أحسستها فهمتها، ولا أستطيع الإبانة إلا إن أحسستها. كنت أعجب من إتيان النبي - صلى الله عليه وسلم - أهله بعد القيام، تقول عائشة -رضى الله عنها- عن قيامه:"ثم ينام فإن كان له شأن من أهله أتاه"، وكنت أعجب من هذا، والحال الذي نحسه أن المرء بعد العبادة يصبح زاهدا، وهذا شيء لا يمكن شرحه إلا أن تحسه، وإلا أن تفهم كيف يكون قيامك بأمر الله على أعظم ما يكون، وكيف يكون قيامك مع أمر نفسك من أعظم ما يكون، هذا هو شأن العبادة العظيم. كيف تفهم هذا؟ عليك أن تسعى حتى تحس به: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} .
وللعلماء كلام عجيب في هذا الأمر، ابن القيم له كلام لا أستطيع أن أنقله الآن ولا أريد أن أقوله، لكنه قال شيئا عجيبا من هذه المعاني، ستجدونه، ابحثوا عنه.
الآن جاء الشيخ إلى هذه المرتبة، والحق أنها جليّةٌ في نفسه، لكنه يحس أن أمامه مخالفا له؛ ولذلك ذكر كلمة:"والدليل عليها"، هذه الكلمة علامةٌ على أنه يحس بوجود مخالفٍ يسأل:"كيف تقول بهذا؟"، فهو جاء إلى معاني دالة، لكنها لا يمكن أن تصيب المراد مما يحسه من نفسه، هذا رجل ذواق، هل هذا رجل يتحدث عن العلم بذوق أم بحَدّية؟ يتحدث عنه بذوق، يطرب له، يتعامل معه تعامل المتأمل أنه يسمع شيئا جميلا؛ ولذلك في الحديث في قراءة القرآن: (إن الملك ليصغي إلى قارئ القرآن كما يصغي أحدكم إلى قينته) ، هذه مرتبة تتعلق بالتلذذ، تتعلق بالذوق. كيف أشرحها؟! لشرح هذه المرتبة قال الغزالي فيها كلامًا لا أستطيع أن أنقله الآن، ابحثوا عنه، اقرؤوا كتب الغزالي كلها لتجدوا هذه الكلمة! ما أريد أن أجيب، مرة ذكرتها فعاب عليَّ المشايخ: كيف تقولها وقد قالها الغزالي؟! ويكفي هذا، وكلمة ابن القيم أشبه بكلمة الغزالي ولا أريد أن أذكرها الآن.
ولكن هذه معاني إذا قربنها أهنَّاها، حينئذ لا بد أن نذكر شيئا نفسيا وشيءً من البدن وغير ذلك، وحينئذ نكون قد أهناها.
ويقول الشيخ عن هذه المرتبة:" {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} ".
هو يتحدث هنا عن عمل يصاحب القلب، عن عمل في الظاهر وتصاحبه حركة قلب:
{قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا} : هذا عمل بدني.
{يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} : هذا عمل قلبي، هذا هو المطلوب من حركة الإنسان، أن يكون هكذا.
وهذا هو أمر الليل الذي يحب الإنسان فيه أن يستريح، لكن هو لذته في هذا: (أفلا أكون عبدا شكورا) ، هذه المرتبة لا يوصل لها إلا كما يصل الرجل إلى السهول بعد أن يقطع الوديان والجبال، بعد ذلك ينفسح له المجال ويصبح يتلذذ: (وجُعلت قرة عيني في الصلاة) ، هذا الحديث يُبكي، ارجعوا إليه فهو حديث يُبكي، فقدت عائشة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حبيبها وزوجها ليلًا، فظنت به شرا كعادة النساء من الغيرة، فجعلت تتفقده، فقالت:"مددت، وإذا هو ساجد ويدعو"، قالت:"عجيب، أنا في شأن وهو في شأن"، هذا هو الشأن.
ثم قال للدلالة على أن هؤلاء هم أهل العلم، وقد ذكرت سابقا استقراء كلمة"أهل العلم"في القرآن، اجمعوها أنتم، والآن الأمور سهلة، ليس هناك ضرورة أن تفعلوا مثل ما فعل الشافعي وتقرؤوا القرآن كله حتى تبحثوا عنها، عندكم معجم مفهرس بألفاظ القرآن، وستجدون أن العلماء هم أولى العلم.
ثم قال تعالى:" {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} ، فنسب هذه المحاسن":
أي الأعمال الصالحة من القنوت والرجاء: {يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} ، وقال تعالى في سورة [الشورى] : {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} .
قوله:" {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} "، {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ} ، انتبهوا هنا،"تقشعر جلودهم"بمعنى أنه اختلط بهم، هل هذا يتم عن طريق التفكير العقلي فقط أم عن طريق حركة النفس؟ متى يقشعر بدنك من أمرٍ؟ يقشعر إذا بلغ بك من المبلغ أن تجاوز العقل إلى القلب، وصار بعد ذلك في البدن، حتى صارت حركة البدن كلها أسيرة لهذا الخبر: المرض لما يفجع بشيء، كله ينتفض، فيقشعر منه.
قال:"والذين يخشون ربهم هم العلماء"
وهذا من تفسير القرآن بالقرآن، وهو أجَلُّ التفسير كما قال علماؤنا، قال:
"والذين يخشون ربهم هم العلماء، لقوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} "
"وقال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} "
ماذا حدث لهم لما سمعوا كلام الله؟ {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} ، كلام الله حكم عليهم، سيطر عليهم، أخذ بمجامع قلوبهم حتى بكوا: {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} .
المعرفة هي المرتبة الأولى فذكرها القرآن، لكنها لا تُنشئ هذه المرتبة، المعرفة هي فقط بداية الطريق إلى هذا الأمر، فذكر ربنا الحدَّيْن:
-الحد الأول، الذي به يحصل القبول، وهو أن تعرف أنه الحق،
-وبعد ذلك: العمل، {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} ، وهذا يجب أن يُكرر في حياتنا.
وهذا أيها الإخوة الأحبة، هو شأن علمائنا: يُذكر عن أحمد -رحمه الله- أنه لمّا حضرته الوفاة، أخذوا بغير إذنه بوله إلى الطبيب -وكان يهوديا أو نصرانيا-، فقال:"هذا رجلا فتتت الخشية قلبه"!، هذا شأن المفتين في ذلك الزمان، وانظروا إلى حالنا اليوم! هناك من لا يعرف فك الخط، لا يعرفون معنى الحرف لو ذُكر عندهم، وفي هذا المعنى رأيت وأنا أقرأ للدكتور عبد العظيم الديب -رحمه الله- في تحقيقه لكتاب (الغياثي) للإمام الجويني، وسرقه بعض المتطفلين من الوراقين، فذهب إلى المحكمة ليقاضيهم أنهم سرقوه، فأحضر الكتاب وقال متحديا أمام القاضي -كما ذكر في مقدمة تحقيقه-:"إذا استطاع هذان المحققان أن يقرآ صفحة واحدة، وكانت عدد أخطائهم مساويةً لعدد الأسطر، فالكتاب لهما"، وربح القضية! فالقصة واضحة، يعني أنه قال أن أخطاءهم ستكون في صفحة واحدة أكثر من عدد أسطرها، وربح القضية. ماذا أقول؟ نبكي على أنفسنا؟ لا إله إلا الله، هؤلاء هم العلماء؛ ولذلك ارجعوا إلى قوله:"وهذه المرتبة هي المترجم لها"، هذا هو المقصود بها، هؤلاء هم العلماء الذين يتحدث القرآن عنهم.
هل أحس أني قصرت؟ والله، إلى الآن لا أشعر أني في هذا الكلام قد ارتقيت في هذه المدارج التي لا تنتهي، والله أحس أني في كلامي هذا ما استطعت أن أرتقي درجة واحدة، فقط في الحديث عنهم، تفضل يا شيخ.
"ولما كان السحرة قد بلغوا في علم السحر مبلغ الرسوخ فيه، وهو معنى هذه المرتبة، بادروا إلى الانقياد والإيمان حين عرفوا من علمهم أن ما جاء به موسى -عليه السلام- حق ليس بالسحر، ولا الشعوذة، ولم يمنعهم من ذلك التخويف ولا التعذيب الذي توعدهم به فرعون"
لا إله الا الله، إنهم لما علموا الحق انتهى الأمر: اقتل، اذبح، اقض ما أنت قاض! أي شيء حدث في هذه القلوب في هذه اللحظة؟! أي شيء؟! هذه سمة الإيمان، وكما وصفه هرقل، وحوار هرقل مع أبي سفيان يدل على أنه رجل حكيم، ويراقب حركة الوجود، وأعظم ما ذكرَ، وأعظم ما يُراقَب، هو حركة فعل النبوة في نفسها، وفي أثرها في الناس، وفي تاريخها، شيء عجيب، ما قاله هرقل في محاورته لأبي سيفان من أجل تحليل رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه، دلّ على أنه رجل عجيب، يجب أن نقرأ هذا الحديث، والله لو قرأناه من ألف وجه لكنا مقصرين؛ ولذلك، قال هرقل:"وهذا شأن الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لم يخرج منها"، أو ما في معناه، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم: (لو كنت متخذا من الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكني خليل الله) . ما هي الخلة؟ الذين يعرفونها قالوا:
قد تخللت مسلك الروح مني ... فبذا سمي الخليل خليلًا
الصاحب جنبك هنا، صاحبه جنبه، لكن خليله أين هو؟ في قلبه. صاحبك بجانبك، خليلك في قلبك؛ ولذلك ماذا قال؟ كما ذكر أبو حيان التوحيدي -الذي هو مِمن قيل عنهم:"الزنادقة ثلاثة"، لكن لا بأس-، ينقل عن حكيمٍ يوناني قال:"الصديق هو أنتَ في النفْس آخرٌ في البدن"، الصديق ما هو؟ هو أنت في النفس، آخرٌ في البدن؛ ولذلك قال: (أنا خليل الله) ، صاحبكم، صاحب بجانب ولكنه خليل الله. تفضل يا شيخ.
"وقال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} "
وهنا المثل الذي ضُرب على معنى الحدَث؛ {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا} ، أي مثلٌ حدَثَ -أو أمرٌ حدث- صار مثالًا للإيمان، أو مثالا للكفر: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا} .
"فحصر تعقلها في العالمين، وهو قصد الشارع من ضرب الأمثال"
قال: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} ، وأنا أشهد الله أني مرة رأيت نفسي في المنام وأنا على مرقب عالٍ وأتلو هذه الآية أمام الناس ( ... )
"وقال: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أعمى} "
هنا العمى هو العمى القلبي.
"ثم وصف أهل العلم بقوله: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ} [الرعد: 20] إلى آخر الأوصاف، وحاصلها يرجع إلى أن العلماء هم العاملون."
وقال في أهل الإيمان، والإيمان من فوائد العلم: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} إلى أن قال: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال: 2 - 4] ""
المؤمنون هم الذين وجلت قلوبهم، لم يبقَ مجرد فكرة أو مسألة في العقل يفهمها ويعقلها، ولكنها سَرت إلى القلب فأحدثت فيه (هزته) ، ثم بعد القلب أحدثت في البدن قشعريرة، أول شيء: يعقلها العالمون، لازم تنظف عقلك، وبعد هذا: نزلت للقلب، فلازم تنظف قلبك، وبعد ذلك: لا يهتز بشر بدنك للإيمان إلا إذا أخليته من الحرام وأقمته في طاعة الله في الليل والنهار، وإلا هذا البدن لا ينفع ولا يستجيب، كذلك العقل، إذا كان غبيا لا يستجيب، والقلب، إذا كان أسودا لا يستجيب، والبدن، إذا كان عاصيا لا يستجيب؛ فهذه هي مراتبه، صارت من العقل فهمًا، إلى القلب حركةَ إرادةٍ، إلى البدن سلوكًا وعملًا، هذه بدايتها، نتحدث نحن فقط عن القشور، كل هذا قشور، ليس المقصود ب"قشور"كما يقولون:"لب وقشور"، لا، المقصود بها هي البداية الأولى لتدل على ما وراءها.
"ومن هنا قرن العلماء في العمل بمقتضى العلم بالملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وقال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} "
هذه من الشيخ أبي إسحاق الشاطبي تستحق أن يُقال له عليها: جزاك الله خيرًا.
ومرات، بعض الكتب لو أخذت منها فقط فائدة واحدة، لكان الأمر كافيًا لعِظم الفائدة، ولما جاء فخر الدين الرازي في تفسيره (تفسير فخر الرازي) ، لما ذكر (الكشاف) ، -و (الكشاف) هو مرجع الجميع، الذين هم مع، وضد-، لما جاء إليه وقرأه، وجاء إلى سورة"المؤمن غافر"في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ}
قال: {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} ، قال الزمخشري:"وهذا دليل على أن الملائكة لا يرون ربهم". طبعًا هو أراد شيئا آخر، لأنه قال: {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} ، والإيمان لا يكون إلا بأمر غيبي، قال الرازي:"لو لم يأت جار الله الزمخشري في كتابه إلا بهذه الفائدة لكفت"، هذه كافية! هل جئت بغنيمة؟ نعم، ذهبت وجئت بغنيمة عظيمة، قرأت الكتاب في شهرين ثلاثة ورجعت بغنيمة عظيمة. لو لم تأتِ -أيها القارئ لكتاب الشاطبي- إلا بهذه الفائدة من كلامه لَعلمتَ عِلم الرجل، وذوقَه، وتأمُّله في كتاب الله.
وهذا دليل في الأصول يُسمى بدليل الاقتران، وهو دليل معتبر لكنه ضعيف.
وانتبهوا لهذه القاعدة:"لا يمكن لمثل هذه العلوم الرقيقة أن تظهر بالقواعد الجلية"، مفهوم الكلام؟ لا يمكن لهذه المفاهيم وهذه العلوم الرقيقة اللطيفة أن تحصل بالقواعد الجليّة الواضحة؛ لأن تلك الجلية الواضحة إنما هي مثل العام والخاص .. إلخ، هذه تُعطي أحكامًا بينة، ولكن العلوم الدقيقة، مثل مسألة الآلات الدقيقة، تحتاج إلى ماذا يا مشايخ الآلات الدقيقة؟ إلى آلات دقيقة؛ ولذلك لما كان دليل الاقتران دليلا ضعيفا، فهو دليل رقيق.
ما معنى دليل اقتران؟ دليل الاقتران أيها المشايخ، هو أن يأتي في السياق أمورٌ لأحدها حكم معلوم، فهل ما جاء في سياقها يحمل حكمها؟ الشافعي أعمل هذا بالرغم من أنه يقول بضعفه، ولكننا رأيناه أعمله كثيرا، كقوله بأن العمرة واجبة.
أُعيد تعريف دليل الاقتران: هو أن تأتي عدة أمور في سياق واحد، ويكون لأحد هذه الأمور حكم معلوم، فهل بقية المذكورات تحمل نفس حكم المذكور؟
قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} ، قال الشافعي: وهذا دليل على أن العمرة واجبة لأنها اقترنت بالحج.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} ، جاء أمر الشورى بين أمرين واجبين، وهما: الصلاة والزكاة، فهل باقتران الشورى بهذين الأمرين -ولهما حكم الوجوب-، هل لها حكم الوجوب؟
وهذا دليل ضعيف عند العلماء، ولكنهم يضطرون إليه، لا بد عند بعض الأمور أن نضطر إليه.
الآن، الشاطبي استخدم هذا الدليل اللطيف من أجل استخراج لطيف، وهو يرى كالتالي: أن الله لما قرن أولي العلم بالملائكة، ولما كان الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، دل على أن العلماء لا يعصون الله ما أمرهم.
فإذا سألتم عن الفائدة العظيمة التي أتى بها الشاطبي، والتي قلنا أننا لو أخذاها وحدها لكفَت، فنقول: هذا هو الأمر الذي نتحدث عنه، هذه هي المعاني، لو لم تكن فائدة من الشيخ إلا هذه لكفت.
فلنقرأها مرة ثانية لجمالها! يعني أنا أفسدت معناها، مرات صدقوني، أشعر أني لما أتكلم، أفسد المعاني؛ لأن المشايخ لهم كلام عظيم جدًا، ونحن ننثره بطريقتنا، والله يرحمنا.
"ومن هنا قرن العلماء في العمل بمقتضى العلم بالملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فقال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} "
فشهادة الله تعالى وفق علمه ظاهرة التوافق؛ إذ التخالف محال""
واضح الكلام؟ يعني أن الله يشهد لنفسه بالعلم فهذا بيّن واضح،"إذ التخالف محال": أن يعلم اللهُ خلاف الحق، أو يعلم خلاف علمه -جل في علاه-، نعوذ بالله.
"وشهادةُ الملائكةِ على وفق ما علموا صحيحة؛ لأنهم محفوظون من المعاصي"
-سؤال: شيخنا عَلِموا أو عُلِّموا؟
-الجواب: عَلِموا، وشهادةُ الملائكةِ على وفق ما عَلِموا، لأنهم لو عُلّموا لانتهى الموضوع، ولكن انظر لما بعده.
"لأنهم محفوظون من المعاصي، وأولو العلم أيضا كذلك؛ من حيث حُفظوا بالعلم، وقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- إذا نزلت عليهم آية فيها تخويف أحزنهم ذلك وأقلقهم، حتى يسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - كنزول آية البقرة: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} "
فأحدثت هذه الآية ما أحدثت في نفوسهم، حتى جاؤوا يشكون صعوبتها على نفوسهم فجاء الرد.
ولشيخ الإسلام لطيفةٌ عظيمة في كتابه (مقدمة التفسير) -وسأذكرها لأهميتها، ولا أريد أن أطيل لأن هذا ليس بابها، فالتفصيل في مسائل العلم يكون في بابها، ولكننا نمر عليها ليُرجَع إليها-، قال:"إن ما حصل من النسخ ليس رفعا للحكم"، يعني ما جاء بعد الآية: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} ، من الآيات: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، قال:"هذا ليس رفعًا للحكم، هو رفعٌ لما عَلِموا من الحكم"، هل الفرق واضح؟ شيخ الإسلام قال: ما حصل في هتين الآيتين ليس رفعًا للحكم، هم فهموا حكمًا، والآية لا تدل عليه، فالنسخ إنما هو رفعٌ لما علِموا هم من الحكم، وارجعوا إليها، بابها ليس هنا، يعني لن نقف في هذا الدرس على هذا الباب.
"وقوله: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} ، وإنما القلق والخوف من آثار العلم بالمُنزّل"
وطبعا هم لما قالوا:"وأيّنا لم يظلم نفسه؟"، فسرها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشرك، قال: (ألم تسمعوا لقول الرجل الصالح: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ) ، والشيخ أبو إسحاق له كلام جميل في هذا -ويزعم بعض المعاصرين أنه صاحب بَكَارتها، وهو غير صحيح-، يقول أن ما فسره النبي - صلى الله عليه وسلم - هو مفسَّرٌ في السورة نفسها، الشاطبي يقول بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبان.
وهذا هو الشاطبي، وهؤلاء هم العلماء، كما ذكرنا فيما تقدم من كلام الشاطبي، وكلام ابن عباس، وكلام ابن القيم، أنَّ أعظم الناس علمًا هو من أخذ الحديث من القرآن، وهذه من هذا النوع.
الآية: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ، قال: هي ليست شيئًا خارجًا عن القرآن، هي من القرآن، لأن الآية التي بين أيدينا: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} ، هذه في سورة الأنعام، وسورة الأنعام مكية، وسياق سورة الأنعام كله يدور على الحد الأعلى.
وللشاطبي مقالةٌ عظيمة -في كتابه (الموافقات) -، وهي أن القرآن كُلِّيُّ الأحكام، أما الجزئيات فموجودة في السنة. ما معنى أنه كلي الأحكام؟ معناها أنه يأتي إلى الأحكام الكلية؛ فلما قال تعالى: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} ، إذا كانت أحكام القرآن كلية، فالظلم هنا المقصود به هو الظلم الكلي، الظلم في حده الأعلى، والظلم في حده الأعلى هو الشرك.
والقصد أن الشاطبي يقول أن السورة بسياقها ليست إلا حديثًا عن الشرك الكلي، فلما فسرها النبي -صلى الله عليه وسلم-، فسرها من القرآن.
وهذه النقطة -أن القرآن كليات- سيأتي الشيخ إليها إن شاء الله؛ ولذلك قول ابن عباس:"كفر دون كفر"، يحتج به من احتج، ولا نريد أن ندخل فيها، لكن هذه من جهالة المعاصرين: إن من الجهل العظيم حمل الآية: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، بمعناها الكلي على الكفر الأصغر، هذا جهل! هذا خطأ وجهل بالقرآن وبطريقة السلف في تفسيره.
وهذه النقطة مهمة جدا -كون القرآن كليّ الأحكام-، وسنفصلها إن شاء الله في ظرف آخر عندما يأتي ما يشير إليها من المعاني؛ فلما نقول:"كافرون"، يعني كفرا أكبر، لا يوجد في القرآن كفر أصغر؟ لا يوجد.
طيب، لماذا قال ابن عباس:"كفر دون كفر"؟
هل يجوز احتجاج العالِم بالحكم الكليّ على فعلٍ جزئي؟
الجواب: نعم، يجوز له أن يحكم على فعل جزئي -أي من الكفر الأصغر- بهذه الآية، ولكن لا يجوز أن يُلحِق بالاسم الجزئي -الذي هو الفعل- إلا حكمًا جزئيًّا، أتمنى أن تكون القاعدة واضحة.
باختصار، عندنا: الأسماء والأحكام، والأسماء -كما تقدم- إنما هي على الأفعال والمعاني، والأحكام هي: قول الله، وقول رسوله،
فإذا كان الاسم كليًّا، يجب أن يلتحق به الحكم الكلي، وإذا كان الاسم جزئيًّا، يجب أن يُلحق به الحكم الجزئي، سنأتي للأمثلة، لكن لازم تكون مفهومة في حدها المعنوي.
طيب، هل يجوز للفقيه أن يحتجَّ على الاسم الجزئي بحكمٍ كليّ؟ الجواب: نعم، لكن على شرط أن يحمِله على الحكم الجزئيّ،
وهذا مأخوذ من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، الآية: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} ، أعملها النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحابة وهي نازلة في الكافرين.
هل يجوز حمل الآيات التي نزلت في الكافرين على المؤمنين؟ لا، هذه طريقة الخوارج، لكن على طريقتهم -طريقة الخوارج- أنهم أتوا إلى الآيات التي نزلت في الكفار فأنزلوها على المسلمين. هل إنزالها على المسلمين خطأ؟ هذه فعلها النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكنه فعلها بأَنْ أنزل على الفعل الجزئيّ حكمًا جزئيًّا من الآية، وهذا يجوز.
فلو جاء رجل إلى الرياء -والرياء هو من الكفر أو الشرك الأصغر- وقال: إن الله -عز وجل- يقول: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، هل يصح احتجاجه؟ الجواب: نعم، ولكن هل يجوز أن يحمله على الحكم الكليّ الذي في الآية؟ لا، هذه طريقة الخوارج: أتوا إلى الأفعال الجزئية فأدخلوا عليها الحكم الكليّ.
ولذلك، الزنا كفر أصغر، كل معصية -على الصواب- كفر أصغر، {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا} ، يعني هو في نصف الطريق، واضح الكلام؟
فالصواب أنك تأتي للحكم الوارد في الآية كليًّا فتحمله على الجزئيّ بحكمه، بمقداره، وهذا الذي شرحناه: الفقه والنوازل.
وحتى نفهم هذا، نذكر قول ابن حزم في (الفِصَل) :"ومن فَعَل فقد حَكَم"، نكتبها لأنها هي سر القضية في الآية التي بين أيدينا، وما أحببت أن أذكرها، لكن رأيتكم تدور أعينكم لما ذكرتها، فلا بأس أن نفصلها لأنها مهمة، مع أن هذا مجرد رفع صور وعلامات على القضية، وإلا فهي قضية طويلة.
قال ابن حزم:"فمن فَعلَ فقد حكم"، هذه يلزمها شرح لكن يكفيني أن تفهموها، هذه شرحها طويل جدا؛ لأن الفعل حكم، هو اختيار، يعني لما يزني رجل -أجلكم الله- أو يشرب الخمر، خلينا على شرب الخمر، رجل شرب الخمر: هو حكم؛ لأنه اختار، هل حكم في قلبه أنه حلال أو حرام؟ لا، هو حكم بفعله أنه اختار، والاختيار حكمٌ، هو حكم أنه فعل، فالفِعل حكم.
إذا جئنا إلى قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، دخل فيها أن كل معصية (فعل) كفر، ألم نقل أن كل من فعل فقد حكم؟ دلت الآية أن كل من فعل فعلًا عصى به ربه فقد كفر، لكن كفر كفرًا بمقدارِ دخول الفعل في الاسم.
فإذن ما هو الحكم؟ لو جئنا لكلمة"حكم"في فهم العرب وفي القرآن، الحكم هو القضاء، هذا هو الحكم، دخل رجل عليك، فقال لك: ما هو دين الله في هذه المسألة؟ أحلالٌ أن أشرب الماء أم لا؟ فحكمت بأن الماء حرام، فقد حكمت بغير ما أنزل الله، فهذا كفر أكبر؛ لأن هذا دخولٌ للفعل الذي فعلته في اسم الحكم دخولًا كليًا، فإذا دخل الفعل في الاسم دخولًا كليًّا أُلحقَ به الحكم الكلي.
طيب، واحد شرب خمر، هل دخل في الحكم دخولًا كليًّا ولا دخولًا جزئيًّا؟ دخل دخولًا جزئيًّا، فيُلحَق به الحكم الجزئي، فقلنا هو كافر لكن كفرا جزئيا.
أين ضلال الخوارج إذن؟ ضلالهم أنهم ألحقوا الحكم الكلي بفعلٍ يدخل في الاسم دخولًا جزئيًّا، هذا هو ضلالهم، هل الكلام مفهوم؟ لا أريد أن أرى عيونًا حائرة، الموضوع سهل لما يُبنى في عقلك بطريقة واضحة وبينة.
لما جاء الخوارج وكفّروا، هل للحكم باسمه الكلي أم بفعل جزئي دخل فيه؟ أين الحكم بفعله؟ أعطوني حالة واحدة حكم فيها علي الذي كفّره الخوارج، لا نتكلم الآن عن معاوية -وهو ليس كافر نعوذ بالله-، ولكن نتكلم عن علي، لأنهم هم أهله عندما كفرّوه، هم أصحابه!
أعطوني حادثة واحدة كفّر فيها الخوارجُ عليًا لفعلٍ دخل في الحكم دخولًا كليًّا؟ بمعنى أن علي حكم في مسألة الحكم الكلي (القضاء) ، شرَّع، جاءه عاصٍ فحكم عليه، أي بمعنى الحكم الذي يُعرف في اللغة وفي الاصطلاح أنه حكم بغير ما أنزل الله؟ أعطوني حادثةً واحدة فقط؟ لا يوجد.
إذن على ماذا كفّر الخوارج عليّا؟ كفروه لحدوث معاصٍ، وهذه معاصي موجودة، قد يكون رجل كذب فيهم، وقد يكون رجل عصى، وهذا موجود، وهم يرون عليا عاصيًا لمّا قَبِل التحكيم، فهذه المعصية هم يرونها معصيةً حكم فيها علي بغير ما أنزل الله، وهذا إن صح أنها معصية -وليست كذلك-، وجدال ومناظرة ابن عباس لهم معروف، فجاؤوا إلى أفعال تدخل في الحكم دخولًا جزئيًا فألحقوا بها الحكم الكلي، وهذا هو أساس ضلالهم؛ ولذلك ماذا قال الصحابة؟ قالوا:"جاؤوا إلى آيات أنزلت في الكفار فعملوها للمسلمين"، هذه هي، لكن هل هذه الطريقة صحيحة أم خاطئة؟ أن تأتي إلى آيات نزلت في الكفار فتحملها على المسلمين، هل هذا جائز أو غير جائز؟ جائز على المعنى الذي ذكرناه.
انتبهوا هنا، نحن كل هذا الحوار على كلمة إمامنا -وهي كلمة صحيحة-، ومن ضعَّفها جاهل، ومن فهمها أنها تفسير لكلية الحكم مع كلية الاسم جاهل؛ يعني الذي جاء إلى قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} ، بمعنى الحكم، أنه كافر كفرا أصغر، هذا جاهل، هذا لا يعرف الأصول، لا يعرف كلمة ابن عباس، وابن عباس لما قال:"كفر دون كفر"، إنما هو وصفٌ لِمَا وقع من الصحابة من أعمال يُلحَق بها الحكم الجزئي الذي تحتمله الآية عند إنزالها في الفقه.
فلما قال:"كفر دون كفر"إنما يحاورهم به على معنى: هل هي كفر؟ نعم، كفر، هل هي معصية؟ نعم، معصية، لكن هو كفر دون كفر، وأما القرآن فأحكامه كلية. وهذا شرح أولي لما قلنا لكم، ما هو الاجتهاد في هذا العصر، إذن الطريقة هو كالتالي:
سألني سائل من الإخوة، قال: هل يجوز فيما يفعلون من إقامة الحدود على العاهرات أن تطبق عليهم آية قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} ؟ هل يجوز أن تُحمل عليها؟ قلت: نعم، يجوز، ولكن هذه على القاعدة التي قلناها، يجب على الفقيه والقاضي أن يعلم منزلة الفعل من الفساد.
مثلا، لو جاء رجل وقال: هل بائع الدخان مفسد في الأرض؟ نقول: نعم، مفسد، لكن هل يدخل في الفساد دخولًا كليا؟ لا، هذه الآيات نزلت في قوم هلال بن عويمر المرتدين، فحكم الأعلى موجود: مرتد، وقتل، وفعل، ففعل بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - القصاص وإنزال هذه الآية، وهذا للمحاربين؛ فلو أراد فقيه أن يأتي إلى"مفسد في الأرض"ليُدخلها في الآية، ما هو الواجب؟ الواجب أن يدخلها بمقدار دخول الفعل في الاسم، هذه هي الدقة، وهذه التي تكلمنا عنها ورأيتم يومها لما تكلمنا عنها كم حرتم، هذا هو، وهي فقه المرء بالآية، ومعرفة المرء بمراتب الفعل في دخوله في الحكم، هذا فقه النفس يا شيخ، هذا هو فقه النفس، عندما تنظر للأمر، تراقبه، فيكون في قلبك معرفة للوقائع بمقدار دخولها في الأحكام، هل هي دخول كلي أم جزئي، طب جزئي بأي مقدار؟ لأن الجزئي كذلك فيه مراتب.
فلو جاء رجل يحتج بهذه الآية لجاز احتجاجه، ولكن يكون ضالًّا لو عمل بالحكم الكلي على بائع الدخان؛ لأن بائع الدخان داخل في الآية دخولًا جزئيا، فيحتاج لدخولها إلى حكم جزئي، ما هو الحكم الجزئي؟ هذه قضية أصولية نأتي إليها في باب التعزير، وهو باب مهم جدًّا، وكثير ممن تكلم فيه من المعاصرين مساكين، لا يدرون ما يقولون؛ لأن هذا يدخل في المعنى الذي ذكرناه، وهو ضبط النفس لمعرفة معايير الفعل ودخوله في الاسم، هذه المرتبة الأولى،
وبعده تعرف أين يدخل في الحكم، ولمعرفة الحكم يجب أن تذهب للسنة.
وهذا يفسر لكم القاعدة التي ذكرناها:"كل فعل في السنة داخل في القرآن"، هذا جزء منه.
الله يرحمنا يا مشايخ، لا أدري لماذا فتحت هذا! و {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} إلى آخره.
"والأدلة أكثر من إحصائها هنا، وجميعها يدل على أن العلم المعتبر هو المُلجئ إلى العمل به".
هذه كلمة يكاد المرء يطرب لها، يعني هذه كلمة الشيخ، انظر! أين الكلمة الجميلة؟ في قوله:"يدل على أن العلم المعتبر هو المُلجئ"؛ لم يقل:"الدال"، أو"الداعي"، أو"الواعظ"، قال: مُلجئ لك، كأن العلم سطَا عليك فألغى أهواء نفسك ومشاقَّ بدنك، فألجأك إلى الفعل إلجاءً (اضطرارًا) ، نفس المعنى في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (يُلهمون التسبيح كما يُلهمون النفس) ، انظروا إلى هذه الكلمات الرائعة!
هذا العلم العظيم مرتبتُه على النفس أنه يُلجئُها، العلم ألجأه للعمل، أي لغى إرادته، لغى قوته، لغى اختياره، ولم يبقَ إلا اختيار العلم، هو اختيار الحق، هل الكلام واضح؟ هو الله مش واضح حتى عندي! هذه كلمات نقيمها على أمور، الله يرحمنا برحمته.
ويكفي، أتعبَنا الشيخ الشاطبي اليوم؛ لأنه يتحدث عن مراتب نفسية عظيمة، وإحنا ( ... )
جزاكم الله خيرًا وبارك الله فيكم، ويكفينا اليوم، والحمد لله رب العالمين.
أنا أعرف أني لن أجيبكم الجواب الذي أحبه، فإذا كان هناك أسئلة، فلتكن أسئلة في قواعد العلم لا في مراتبه النفسية، وإلا سأتوقف، ليس عندي أكثر مما قلت.
الأسئلة
-شيخنا، في قواعد التفسير: القرآن يفسر بالقرآن، والقرآن يفسر بالسنة، والقرآن يفسر باللغة وغيره، ذكرت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فسر هذه الآية، {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} ، والآية {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فسرها بالقرآن، فهل دل ذلك على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يفسرها بالقرآن ليأخذ منها حكمًا كليا؟ والذي يلجأ إلى تفسير القرآن بالسنة ليأخذ حكمًا جزئيا، وهكذا؟
الشيخ: السنة فيها، السؤال مخربط، خاش ببعضه معجوق عجق، بس لا يهم.
ولكن أنا أقول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال: (ألم تقرؤوا قوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ) ، هذه طريقة من طرق التعليم، ونحن تكلمنا عن جواب الحكيم وشرحناه، وهذا هو جواب الحكيم؛ وهو أنه ذهب بهم إلى أقصر الطرق: وهو أن الشرك في القرآن هو الظلم، والشرك الكلي هو الظلم الكلي، والظلم الكلي هو الشرك الكلي، وهكذا، ويدخل في الظلم ما لا يكون شركًا، ويدخل في الشرك ما لا يُخرج من الملة، وهو الشرك الأصغر.
الآن، السؤال هنا، هل كانت -وأرجو أن تُفهم على معناها؛ لأنه هناك جهلة يسمعون ولا يعرفون شيئا-، هل كان القرآن في سورة الأنعام يحتاج إلى السنة ليفسرها؟ بمعنى: هل كانت الآية في سورة الأنعام خفية ليُفسرها النبي؟ الجواب: لا، هل كلامي واضح؟ هل هو صعب؟ ليس صعبا. هل كان معنى القرآن خفي بحيث لا يُعلم إلا من السنة؟ أم أنه لو جاء الناظر إلى القرآن في سورة الأنعام، وسياق السورة، يعلمه؟ وهذا يبينه الشاطبي على كل حال، وسيأتي إن شاء الله، هذا أنا تعلمته منه، هذه الجملة التي ذكرتها لكم من الأحكام الجزئية والكلية منه تعلمتها. أنا وُلِدت ولاداتٍ، وإحدى ولاداتي من الشاطبي، ولكن أصل هذا الكلام بيَّنه وشرحه شيخ الإسلام ابن تيمية شرحًا رائعًا، والشاطبي في البدع في كتابه (الاعتصام) ، أتى إليه وشرحه شرحًا ممتعا، فإذا فهمته، فهمت كل شيء، فهمت الأحكام، فهمت الوجود، فهمت الفقه، فهمت النوازل، إلى آخره.
أعود وأُذكّر: هل كان القرآن بحاجة إلى السنة هذه ليُعلّمنا في هذه الآية من سورة الأنعام أن الظلم هنا هو الشرك؟ الجواب: لو لم يأتِ الحديث بذلك لما كان له ضرورة، إلا من أجل حسم النزاع مع المخالف، وإلا فسياق السورة -لا نريد أن نأتي بالسورة، هو سيأتي إليها- كله هو خطاب مع الكافرين، وليس هناك خطاب مع المؤمنين الذين يظلمون.
ولذلك لما قال: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} ، كانت في سياق حوار إبراهيم -عليه السلام- مع أهله في قضية: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا} ، ثم قال سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} ، هذه في خاتمة الحوار الذي جرى