بين إبراهيم -عليه السلام- وبين قومه؛ إذن سياق الآية هو حديث عن الشرك، عن عبادة غير الله، عبادة الكواكب، فالآية دالة عليه، سياق الآية يدل عليه، وسياق السورة يدل على هذا.
وهل يقول قائل: لماذا لم يشرح لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا؟ هذا دورك أنت، أنْ تفهم بعدها كيف يُنْشئ النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الحكم، ويعلمك كيف تصل للمراد، هذا المراد طويل، وهو موجود بالآية: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ، انتهى، ولكن السورة دالة عليه، واضح الكلام؟ هذا الأمر الأول.
ولكن هل السنة فيها كفر كلي وكفر جزئي؟ الجواب: نعم، فيها شرك جزئي، وهكذا، والسنة جاءت لبيان هذا، لأن السنة هي الحكمة: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} ،والحكمة هي إنزال هذه الكلمات على الواقع، والواقع مختلط، وفيه مراتب متعددة، فأنت عليك أن تفهم هذه المراتب، عليك أن تفهم اختلاط السنة بالبدعة، عليك أن تفهم اختلاط الحسنة بالسيئة، إلى آخره، وتحكم عليها، وهذا هو الحياة، وهذا نأتي إليه إن شاء الله، والشاطبي له جملة قريبة ستأتي إن شاء الله، ومن كلامه تشرح هذا؛ هي لا تشرحه حقيقة، هي جملة، ولكن هذه الجملة تحتاج إلى درس، أرجو أن تكون وضحت.
-شيخ، هل نستطيع أن نقول أن ابن عباس -رضي الله عنه- لما قال:"ليس بالكفر الذي تذهبون إليه"، أنه أثبت هنا الحكم الكلي؟
الشيخ: لا، هو كلامه عن فعل، يا سيدي، الآن نحن أمام قضية، ابن عباس لمّا الخوارج حكموا، حكموا على الآية وحكموا على الفعل، هذه فتوى أنزلوها هنا، قالوا: جماعة علي -وهو ما يهمنا الآن لأنهم كانوا معه- كفروا، لماذا كفرت جماعة علي؟
إذن هم نظروا إلى فعل منهم، ونظروا للآية، يعني هو ليس تفسيرا مطلقا.
الآن أنا ذكرت لكم جملة -لم أذكرها هنا-: أن أقوال العلماء يجب أن تُقيّد في ظروفها وليست مطلقة، وأن الكتاب والسنة مطلقان، وهذه قضية مهمة، ولا بأس أن أمر عليها، وأعتذر عن التطويل والأخذ من أوقاتكم.
اعلموا أن الفرق بين كلام العلماء وكلام ربنا وحبيبنا، أن كلام الله مطلق، فوق الزمان والمكان، وكلام النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخل فيه هذا وهذا، وهذا الذي ذكرناه في قضية التخصيص بالسبب، يكون في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - المطلق الذي يشمل الزمان والمكان، ويكون ما هو مُقيّد في حدثه، لكنه لا يجوز لنا أن نُنزل كلام العلماء إلا بحسب الوقت، وإلا مقيدًا.
ومن هنا شيخ الإسلام كان عظيمًا، وهو الفقيه في مذهب إمامه أحمد، لما قال:"ما يظهر من اختلافٍ في كلام أحمد إنما هو اختلاف الفتوى لا اختلاف الحكم".