فهرس الكتاب

الصفحة 659 من 809

في القسم الأول ثانوي، أنشأ أستاذ لنا -كان اسمه محمد ملص- أول لجنة مسرح للمسرح والأدب وغيرها، وأنا دخلت فيها، ثم في وقت قصير صرت رئيسًا لها، وكان لها نشاطات تتعلق بالدراما، وقراءة الكتب ومناقشتها، والندوات، فطلب مني أن أقرأ مسرحية (حياة محمد - صلى الله عليه وسلم -) لتوفيق حكيم لنناقشها في الندوة، وكان قد شارك مدير المدرسة في المناقشة.

وأنا وقتها رجل غافل، لا أعرف، كنت قرأت القصص والمسرحيات العالمية: (كليلة ودمنة) ، إرنست همنغواي، فيكتور هيجو، إبسل، كانت متعة، أقرأ قصصًا ولا أعرف وراءها شيئا مما يريده الكاتب.

فأنا قرأت مسرحية حياة محمد - صلى الله عليه وسلم - قراءةَ متمتِّع، فلما جلست للمحاضرة؛ تكلمت بما أفهم: أن توفيق الحكيم صاغ القصة على صيغة مسرحية فقط في الجانب الفني وليس الجانب الفكري، يعني مثل ما صيغتْ سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - شعرًا [1] ، فهذا فن -وتعرفون أنه مما يعاب على الأدب العربي كذبًا ودجلًا أنه ليس فيه مسرح-. القصد أنني تكلمت فقط في هذا الجانب الفني وظننت أني بلغت الغاية! فلما تكلم مدير المدرسة عن هذه القضية؛ وضحَّ أن الحكيم لم يرد الفن فقط؛ ولكن أراد الفكرة.

ومنذ ذلك الوقت انقدح في ذهني كيف يكون الفن والأدب خادما للفكرة، فتوفيق الحكيم لم يرد فقط الصياغة الفنية (صياغة السيرة بطريقة مسرحية) ؛ لكنه أراد أن"يُؤنّس النبوة" [2] -هذه عبارتي الآن-؛ فالفن (المسرح) هو صياغة عقدية، بمعنى أن الذي يكتب القصة إنما يكتبها من أجل عقيدة لا من أجل متعة حوار، أو من أجل قصة، ليس هذا المراد، إنما المراد هو صياغة فكرية [3] ، فأنت عندما تقرأ لا بد أن تعرف ما يريده الكاتب.

(1) الشاعر الصرصري صاغ سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - بآلاف الأبيات.

(2) و"أنسنة النبوة"هو مثل ما فعل العقاد: العقاد لما قال أن أبا بكر عبقري؛ أراد أن الإسلام لم يصغه بل صيغته إنسانية! ومن هو أبو بكر من غير الإسلام، من عمر من غير الإسلام؟؟ فقوله أن هؤلاء عباقرة مصيبة، لكن المصيبة الأعظم هو قوله:"عبقرية محمد"! والعبقرية إنتاج فكري، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ليس منتجًا فكريًا، بل هو منتج الوحي.

ف"أنسنة النبوة"أول ما دخلت علينا من الغرب، حتى أن كتاب (حياة محمد) لمحمد حسين هيكل -وهو رجل من الثلاثين من القرن الماضي- أراد به أن ينكر عالم المعجزة، ويقول أنه - صلى الله عليه وسلم - رجل عبقري وعظيم، والوحي ليس فوق السنن الأرضية؛ ولذلك أنكروا المعجزات والكرامات والملائكة، ومحمد عبده لما فسر قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ... وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ} ؛ قال: الطير الأبابيل، هي: الجراثيم، طيب؛ كيف ترميهم حجارة من سجيل؟!

(3) لذلك أتقنَ عبد الوهاب المسيري وأبدعَ لما قال عن قضية"توم وجيري"أن توم وجيري هي صياغة فكرية للإنسان!! وهي صياغة العالم على طريقة العبثية، وهي عقيدة اللامنتمي، فتوم وجيري يتقاتلان، لكن يتقاتلان لا من أجل شيء، فيقول -إن صح تفسيره وأنا أظن أنه ليس بعيدًا عن الحقيقة- بأنها لعبة لكنها صياغة فكرية، هو يريد أن يبني عقل الناظر إليه على عقيدة أن"الحياة عادية أن بيتقاتل الناس ويتصالحوا دون سبب ولا مشكل في هذا"، وهذه ثمار الوجودية الهيبية التي غزت العالم: عقيدة اللامنتمي.

وهذه العقيدة (الوجودية الهيبية) لم تنتشر بالكتب، فلو سألت أحدا عن كتابٍ فلسفي في الوجودية لما وجد، بل انتشرت عن طريق القصة والمسرح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت