أي كان غير ريان من علم الشريعة وأصولها وفروعها منقولها ومعقولها، أو مخلد للتقليد أو التعصب.
"خيف عليه أن ينقلب عليه ما أُودِع فيه فتنة":
مثل ما قال علي -رضي الله تعالى عنه-:"حدثوا الناس بما يفهمون"، فإذا حدثهم بغير ما يفهمون قد يكون حديثًا وقد تكون آية، ولكنهم لا يفهمون هذا الوجه، ولا يفهمونها على الوجه الصحيح، وهذا يؤدي إلى تكذيب الله. فأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - والآيات القرآنية كلها حق، لكن قد يضعها المرء غير مواضعها وتصبح فتنة للناس.
قال:"خيف عليه أن ينقلب عليه ما أُودِع فيه فتنة بالعرض":
ما هو العرض وما هو الجوهر؟ كل شيء في الوجود فيه عرض وفيه جوهر، والعرض من الاعتراض:"رجل يعرض له"، يعني يثبت ولا يدوم؛ اللون يثبت ولا يدوم، الطول يثبت ولا يدوم، الرائحة، الطول، العرض، فالعرض هو ما كان صفة ليست لازمة على الدوام، أما الذات أو الجوهر فهو صفة ثابتة لا تتغير. فالشيء في ذاته قد يكون حقًا، لكن يعرض له من العوارض ما يجعله باطلًا ليس لأنه باطل في ذاته؛ لكن لأنه وضع في غير موضعه، وهذا يشرحه حديث النبي - صلى الله عليه وسلم: (أيأتي الخير بالشر؟) ، سكت رسول الله طويلًا ثم قال: (أين السائل؟) ، قال الرجل: أنا، فقال له - صلى الله عليه وسلم: (لا يأتي الخير إلا بالخير) ، لكن كيف الدنيا وهي نعمة تحدث فتنة؟ فذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - مثالًا عظيمًا وقف فيه العلماء حتى أن بعضهم من أهل اللغة قال: هذا مثال لا يفهم إلا بالكل، فذكر - صلى الله عليه وسلم - شأن آكلة الخضر، أنها أكلت حتى انتفخت خاصرتاها ثم جلست في عين الشمس فثلطت أو بالت، فقال: هذا شأن الدنيا. فهذا خير في ذاته مطلق، ولكن ما الذي أصاب هذا الخير ليكون شرًا؟
أولًّا: أخذه أكثر من حاجته، والشيء لا بد أن يؤخذ بمقداره، فمن أخذ أكثر من اللازم يمرض، ومن أخذ أقل من اللازم لا يبرأ، كالرجل الذي قال له - صلى الله عليه وسلم: (اسقه عسلًا) ، المشكلة في عدم الكفاية، قال ابن القيم:"وهذا دليل على أن ليس مطلق الدواء يحصل به الشفاء"، وهذا ذكرناه في قضية الدعاء؛ لما دعى ففتح لهم قسم لم يستطيعوا الخروج منه لكن فتح، ثم دعا الثاني ففتح، وهكذا. فلا بد أولًّا من أن يأخذه بكفايته.
وثانيًا: لا بد أن يعمل فيه السنة، أي إزالة الباطل منه بسبب اختلاطه بغيره:"ثلطت أو بالت"فخرج منها شرها، أين الشر في المال؟ في إخراج زكاته، الصدقة، إنفاقه في حله، فالمال خير، لكن لو أبقاه لأهلكه، وهكذا.
وهذا حديث للأسف بحثت في كلام سلفنا فلم أجد من يفسره على هذا الوجه القدري، هم وضعوه تحت باب التحذير من زهرة الدنيا وزينتها، وهو يحمل هذا المعنى وهو من أول معانيه، ولكن هناك معنى أجلّ منه؛ النبي - صلى الله عليه وسلم - انتهى قوله من التحذير من زهرة الدنيا وزينتها، لكن الرجل سأل في قضية