فهرس الكتاب

الصفحة 713 من 809

ثم ذكر الشيخ بعد ذلك في آخر مقدمة -وقد شرحناها على ما أراد إن شاء وعلى ما يقاربه، وربما زدنا عليها أشياء نحتاجها- التفريق بين الحكم القدري والحكم الشرعي، ومتى يتوافق الحكم القدري مع الحكم الشرعي، وهي مسألة مهمة، وإن شاء الله نكون بكلامنا عن هذه النقطة قد استوفيناها بطريقة لا أظن أن أحدا قام بها بفضل الله -عز وجل-.

وأنا أعود وأقول أن:

من أهم ما يمكن أن يستفيده طالب العلم من هذه المقدمات:

1.أولًا: عظمة الشيخ، وأهمية الاستقراء في بناء العقل؛ فلا يجوز لك بمجرد حادثة أو رؤية قاصرة أو جزئية بأن تعمم، التعميم لا بد له من وسيلة تناسبه، والوسيلة المناسبة للتعميم هي الاستقراء، والقواعد لا تبنى على الحوادث الفردية.

2.النقطة الثانية: هذا العلم لا يمكن أن يؤخذ إلا بوسيلته الصحيحة ولا يمكن أن يرتقي فيه المرء إلا بالمعاناة وبالحب له، ولما نتكلم عن الحب فهو من أجل أن نفهم التذوق. ومرة قال أحد العلماء: لا يكفي أن تحب العلم؛ بل يجب أن يحبك العلم، فيجب أن يحبك العلم حتى يأنس بك.

3.تعلمنا كذلك من الشيخ في هذه المقدمات كيفية بناء الأفكار، رأينا أنه لا يبني على طريقة عشوائية، وهذه يجب أن نتعلمها في قراءة كتب أهل العلم، فلما نأتي إلى صحيح البخاري؛ لماذا يبدأ بكتاب بدء الوحي؟ لماذا كتب الفقه تبدأ بكتاب المياه؟ العلماء يبنون كتبهم على طريقة مناهج حاضرة في صدورهم وقلوبهم، وكان علماؤنا النقادة، العلماء الذين لهم شأن النقد والبصر الشديد في النقد، كانوا يميزون بين العلماء ببناء كتبهم، يعجبون كيف بني كتاب، كيف أنتج، خاصة كتب الأوائل، فلا يهتمون فقط للفروع، بل يهتمون لكيفية تحصيلها، وهذه لا يمكن أن يصل إليها المرء إلا بعد معاناة. فقلنا أن الشيخ يبني، وقد بدأ بكتاب الأحكام، لأن هذا كتاب موافقات؛ فلا بد أن تعرف مراتب الأحكام: المباح، الحلال، الحرام، لأنه يريد أن يصل لمقاصد الأحكام، فبعد أن انتهى من الأحكام جاء إلى مقاصدها، والكتاب في ذهنه مبني بطريقة ما، وهذه الطريقة هي التي تميزه عن غيره، الكتب ليست تنثر هكذا، لا تدري كيف بدأها وكيف انتهى منها، بل لا بد أن تعرفها. وكما قلت لكم: القراءة تولد القراءة، والعلم يُبنى، هذه قاعدة، والقاعدة الثانية أن العلم متحد، لا يوجد عندنا علم أصول خلاف علم الحديث، ولا علم حديث خلاف علم التفسير، بل هذه شبكة، وكلها تتصل ببعضها البعض، وكلما قويت حالة علمية في جانب أعطت قوة لكل الجوانب الأخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت