فهرس الكتاب

الصفحة 1486 من 4996

صفحة رقم 179

فوق المقدار ( إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا ) فإن المقصود حصول الذكر اللساني ليعين الذكر القلبي ، والمقصود حاصل بإسماع النفس فإنه يتأثر الخيال فيتقوى الذكر القلبي ، ولا تزال الأنوار تتزايد فينعكس تراجع بعضها إلى بعض حتى يزداد الترقي من ظلمات عالم الأجسام إلى أنوار مدبر النور والظلام ولما أمر بالذكر مكيفًا بكيفية اللائقة به ، أمره ( صلى الله عليه وسلم ) بالمداومة عليه ذاكرًا أحسن الأوقات له وأحقها به ، لكونها لما فيها من الشغل - أدل على إيثارة لمزيد المحبة والتعظيم فقال: ( بالغدو ) أي أوقات البكر ، ولعله أفرده علىجعله مصدر غدًا ، لأنه ما ثم إلا وقيل: الغدو وجمع غدوة ، فيراد حينئذ مع الصبح الضحى ، وآخر كل نهار متصل بأول ليلة اليوم الثاني فسمي آخر اليوم اصيلًا لأنه يتصل بما هو أصل اليوم الثاني ، وخص هذين الوقتين وإن كان المراد الدوام بتسمية كل من اليوم والليل باسم جزئه ، ليذكر بالغدو الانتشار من الموت ، وبالأصل السكون بالموت والرجوع إلى حال العدم فيستحضر بذلك جلال الله عز وجل فيكون ذلك حاويًا على تعظيمه حق تعظيمه .

ولما كان ربما أوهم هذا الخصوص بهذين الوقتين وإن ظاهرًا في الدوام ، قال مصرحًا: ( ولا تكن من الغافلين ) أي في غيرهما ، بل كن ذاكره في كل وقت على كل حال ؛ ثم علل الأمر بالمراقبة الدالة على أعظم الخضوع بأنها وظيفة المقربين فقال: ( إن الذين ( وزاد ترغيبًا في ذلك بقوله:( عند ربك ) أي المحسن إليك بتقريبك من جنابه وجعلك أكرم احبابه ، وهم الملائكة الكرام أولو العصمة ، والقرب دنو مكانة لا مكان ) لا يستكبرون ) أي لا يوجدون ولا يطلبون الكبر ) عن عبادته ) أي الخضوع له التلبس بانحاء التذلل مع مزيد قربهم وغاية طهارتهم وحبهم ) ويسبحونه ) أي ينزهونه عن كل مالا يليق خلوصهم عن دواعي الشهوات والخظوظ .

ولما كان هذا يرجع إلى المعارف ، وقدمه دلالة على أنه الأصل في العبادة أعمال القلوب ، أردفه بقوله: ( وله ) أي وحده ) يسجدون ) أي يخضعون بإثباتهم له كل كمال ، وبالمباشرة لمحاسن الأعمال ، وقد تضمنت الآية الإخبار عن الملائكة الأبرار بثلاثة أخبار: عدم الاستكبار الذي هو أجل أنواع العبادة إذ هو الحامل على الطاعة كما أن ضده حامل على المعصية ، والتسبيح الذي هو التنزيه عن كل مالا يليق ، وتخصيصه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت