فهرس الكتاب
صفحة رقم 200
ولما كان ذلك دعا السامع إلى أن يقول .
ما للقادر لم بمن هذا شأنه إلى الخير ؟ أجاب بأنه جبلهم من أول الأمر - وله أن يفعل في ملكه ومُلكه ما يريد - جبلة عريقة في الفساد ، وجعل جواهرهم شريرة كجوهر العقرب التي لا تقبل التأديب بوجه ولا تمر بشيء إلا لبسته ، فعلم سبحانه أنه لا خير فيهم فتركهم على ما علم منهم ) ولو علم الله ( أيب الذي له الكمال كله ) فيهم خيرًا ) أي قبولًا للخير ) لأسمعهم ) أي إسماعًا هو الإسماع ، وهو ما تعقبه الإجابة المستمرة ولما كان علم الله تعالى محيطًا ، وجب أن يعلم كل ما كان حاصلًا ، فكان عدم علمه بوجود الشيء من لوازم عدمه ، فلا جرم كان التقدير هنا: ولكنه لم يعلم فيهم خيرًا ، بل علم أنه لا خير فيهم فلم يسمعهم هذا الإسماع ) ولو أسمعهم ( وهم على هذه الحالة من عدم القابلية للخير إسماعًا قسرهم فيه على الإجابة ) لتولوا ) أي بعد إجابتهم ) وهو معرضون ( اي ثابت إعراضهم مرتدين على أعقابهم ، ولم يستمروا على إجابتهم لماة جلبوا عليه من ملاءمة الشر ومباعدة الخير ، فلم يريدوا الإسلام وأهله بعد إقبالهم إلا وهنًا ، وكما كان لأهل الردة الذين قتلوا مرتدين بعد أن كانوا دخلوا في الإسلام خوفًا من السيف ورغبة في المال وهو من وادي
77 ( ) ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ( ) 7
[ الأنعام: 28 ] فإن علم الله تعالى أربعة أقسام: جملة الموجودات ، وجملة المعدومات ، وأن كل واحد من الموجودات لو كان معدومًا كيف يكون حاله ، وأن كل واحد من المعدومات لو كان موجودًا كيف يكون حاله ، والقسمان الأولان علم بالواقع ، والآخر علم بالقدر ، والآية من القسم الأخير ، ولعمري إنا دفعنا إلى أغلب من فيه على قريب من هذا الأمر ، أجرأ الناس على الباطل ، وأثبتهم في المصاولة فيه ، وأوسعهم حبلًا في التوصيل إليه ، وأجبنهم عند الدعوة إلى الحق ، وأسرعهم نكوصًا عند الإقدام بعد جهد عليه ، وألكنهم عند الجدال له ، فصار ما كان مقدرًا مفروضًا حاصلًا وموجودًا ، وكلمة ) لو ( هنا يحتمل أن تكون هي التي يعلق بها أمر على آخر هو بضده أولى فيكون المراد ان المعلق .
وهو الثاني - موجود دائمًا مثل قول عمر رضي الله عنه: نعم العبد صهيب رضي الله عنه لو لم يخف الله لم يعصه ، فالمراد هنا على هذا أنهم إذا كانوا يتولون مع الإسماع والإجابة ، فتوالهم مع عدمهما أولى - نبه على ذلك الرازي ، ويحتمل أن يكون على بابها من أن الجزءين بعدها منفيان ، وانتفاء التولي إنما يكون خيرًا إذا نشأ عن الإسماع المترتب على علم الخير فيهم ، وأما عدمه لعدم إسماعهم الإسماع الموصوف لأنه لا خير فيهم فليس من الخير في شيء بل هو مخص ، التولي المنفي عنهم ليس هو الموجود منهم ، بل هو الناشئ عن الإسماع الموصوف فلا يناقض