فهرس الكتاب

الصفحة 1915 من 4996

صفحة رقم 17

المقدر قوله: ( وجاؤوا أباهم( دون يوسف عليه الصلاة والسلام ) عشاء( في ظلمة الليل لئلا يتفرس أبيهم في وجوههم إذا رآها في ضياء النهار ضد ما جاؤوا به من الاعتذار ، وقد قيل: لا تطلب الحاجة بالليل فإن الحياء في العينين ، ولا تعتذر بالنهار من ذنب فتتلجلج في الاعتذار .

والآية دالة على أن البكاء لا يدل على الصدق لاحتمال التصنع )يبكون ( والبكاء: جريان الدمع في العين عند حال الحزن ، فكأنه قيل: إنهم إذا بكوا حق لهم البكاء خوفًا من الله وشفقة على الأخ ، ولكن ماذا يقولون إذا سألهم أبوهم عن سببه ؟ فقيل: ( قالوا يأبانا ( .

ولما كانوا عالمين بأنه عليه الصلاة والسلام لا يصدقهم لما له من نور القلب وصدق الفراسة ولما لهم من الريبة ، أكدوا فقالوا: ( إنا ذهبنا نستبق ) أي نوجد المسابقة بغاية الرغبة من كل منا في ذلك ) وتركنا يوسف ( أخانا ) عند متاعنا ) أي ما كان معنا مما نحتاج إليه في ذلك الوقت من ثياب وزاد ونحوه ) فأكله ) أي فتسبب عن انفراده أن أكله ) الذئب وما ) أي والحال أنك ما ) أنت بمؤمن لنا ) أي من التكذيب ، أي بمصدق ) ولو كنا ) أي كونًا هو جبلة لنا ) صادقين ) أي من أهل الصدق والأمانة بعلمك ، لأنك لم تجرب علينا قط كذبًا ، ولا حفظت عنا شيئًا منه جدًا ولا لعبًا .

ولما علموا أنه لا يصدقهم من وجوه منها ما هو عليه من صحة الفراسة لنور القلب وقوة الحدس ، ومنها أن الكذب في نفسه لا يخلو عن دليل لعى بطلانه ، ومنها أن المرتاب يكاد يعرب عن نفسه ، أعملوا الحيلة في التأكيد بما يقرب قولهم .

فقال تعالى حاكيًا عنهم: ( وجاؤوا على قميصه ) أي يوسف عليه الصلاة والسلام ) بدم كذب ) أي مكذوب ، أطلق عليه المصدر مبالغة لأنه غير مطابق للواقع ، لأنهم ادعوا أنه دم يوسف عليه الصلاة والسلام والواقع أنه دم سخلة ذبحوها ولطخوه بدمها - نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن مجاهد .

قال: والدم: جسم أحمر سيال ، من شأنه أن يكون في عروق الحيوان ، وله خواص تدرك بالعيان من ترجرج وتلزج وسهوكه ، وروي أن يعقوب عليه الصلاة والسلام أخذ القميص منهم وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبًا أحلم من هذا ، أكل ابني ولم يمزق قميصه ، وكان القميص ثلاث آيات: دلالته على كذبهم ، ودلالته على صدق يوسف عليه الصلاة والسلام في قده من دبر ، وعود البصر إلى أبيه به ، فكأنه قيل: هل صدقهم ؟ فقيل: لا لأن العادة جرت في مثله أنه لا يأكله كله ، فلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت