فهرس الكتاب
صفحة رقم 139
فتسببتم عن انفراده بربوبيتكم أن أوجدتم الأخذ بغاية الرغبة ، فتسببتم الإشراك عما يجب أن يكون سبب التوحيد ، وبين سفول رتبتهم بقوله: ( من دونه أولياء( لا يساوونكم في التسبب في الضر والنفع ، بل ) لا يملكون لأنفسهم ( فكيف بغيرهم ) نفعًا ( ونكره ليعم ، وقدمه لأن السياق لطلبهم منهم ، والإنسان إنما يطلب ما ينفعه .
ولما كان من المعلوم أنه لا قدرة لأحد على أن يؤثر في آخره أثرًا لا يقدر على مثله في نفسه قال: ( ولا ضرًّا ( فثبت أن من سواهم بالله أضل الضالين ، لأنه يلزمه أن يسوي بين المتضادات ، فكان معنى قوله: ( قل هل يستوي( والاستواء: استمرار الشيء في جهة واحده ) الأعمى ( في عينه أو في قلبه ) والبصير ( كذلك ) أم هل تستوي ( بوجه من الوجوه ) الظلمات والنور (: هل أدتهم عقولهم إلى أن سووا بين هذه المتضادات الشديدة الظهورلغباوة أو عناد حتى سووا من يخلق بمن لا يخلق ، فجعلوا له شريكًا كذلك لغباوة أو عناد ) أم جعلوا لله ) أي الذي له مجامع العظمة ) شركاء ( ثم بين ما يمكن أن يكون به الشركة ، فقال واصفًا لهم: ( خلقوا كخلقه ( وسبب عن ذلك قوله: ( فتشابه( والتشابه: التشاكل بما يلتبس حتى لا يفصل فيه بين أحد الشيئين والآخر ) الخلق عليهم ( فكان ذلك الخلق الذي خلقه الشركاء سبب عروض شبهة لهم ، وساق ذلك في أسلوب الغيبة إعلامًا بأنهم أهل للإعراض عنهم ، لكونهم في عداد البهائم لقولهم ما لايقل بوجه من الوجوه ، وهذا قريب مما يأتي قريبًا في قوله:
77 ( ) أم بظاهر من القول ( ) 7
[ الرعد: 33 ] .
أي بشبهة يكون فيها نوع ظهور لبعض الأذهان .
ولما كان من المعلوم قطعًا أن جوابهم أن الخلق كله لله .
ولم يمنعهم ذلك من تأله سواه ، أمره أن يجيبهم معرضًا عن جوابهم فقال ) قل الله ) أي الملك الأعلى ) خالق كل شيء ( إشارة إلى أنهم في أحوالهم كالمنكر لذلك عنادًا أو خرقًا لسياج الحياء وهتكًا لجلباب الصيانة ، وإذ قد ثبت أنه المنفرد بالخلق وجب أن يفرد بالتأله فقال: ( وهو الواحد( الذي لا يجانسه شيء ، وكل ما سواه لا يخلو عن مجانس يماثله ، وأين رتبة من يماثل من رتبة من لا مثل له ) القهار ( الذي لكل شيء غالب ، وهذا إشارة - كما مضى في مثله له ) القهار ( الذي كل شيء تحت قهره بأنفسهم وظلالهم ، وهو القادر بما لا يمكن أن يغلبه غالب وهو لكل شيء غالب ، وهذا إشارة - كما مضى في مثله غير مرة في سورة يوسف وغيرها - إلى برهان التمانع ، فإن أربابهم متعددون ، فلو كانمت لهم حياة وكانوا متصرفين في الملك لأمكن بينهم تمانع وكان منهم معرضًا لأن يكون مقهورًا ، فكيف وهم جماد فثبت قطعًا أنه لا شيء منهم يصلح للإلهية على تقدير من التقادير ؛ قال الرماني: والواحد على وجهين: شيء لا ينقسم أصلًا ، وشيء لا ينقسم في معنى كالدنيا .