فهرس الكتاب
صفحة رقم 174
ولما حذرهم انتقام الله إن كفروا ، ذكرهم أيامه في الأمم الماضية ، وعين منهم الثلاثة الأولى لأنهم أشدهم أبدانًا ، وأكثرهم أعوانًا ، وأقواهم آثارًا ، وأطولهم أعمارًا ، لأن البطش إذا برز إلى الوجود كان أهول ، لأن النفس للمحسوس أقبل ، فقال دالًا على ما أرشدهم إليه من غناه سبحانه وحمده مخوفًا لهم من سطوات الله سبحانه: ( ألم يأتكم ) أي يابني إسرائيل ) نبأ الذين ( ولما كان المراد قومًا مخصوصين لم يستغرقوا الزمان قال: ( من قبلكم ( ثم أبدل منهم فقال:( قوم ) أي نبأ قوم ) نوح ( وكانوا ملء الأرض ) و ( نبأ ) عاد ( وكانوا أشد الناس أبدانًا وأثبتهم جنانًا ) و ( نبأ ) ثمود ( وكانوا أقوى الناس على نحت الصخور وبناء القصور ) و ( نبأ ) الذين ( ولما كان النراد لبعض ، أدخل الجار فقال:( من بعدهم ) أي في الزمن حال كونهم في الكثرة بحيث ) لا يعلمهم ) أي حق العلم على التفصيل ) إلا الله ) أي الذي له الإحاطة الكاملة ، كفروا فأهلكهم الله ولم يزل غنيًا حميدًا عند أخذهم وبعده كما كان قلبه ، وكان ابن مسعود رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون .
ثم فصل سبحانه خبرهم ، فقال - جوابًا لمن كأنه قال: ما كان نبأهم ؟ ) جاءتهم رسلهم بالبينات ( وترك عطفه لشدة التباسه بالمستفهم عنه ) فردوا ) أي الأمم عقب مجيء الرسل من غيرتأمل جامعين في تكذيبهم بين الفعل والقول ) أيديهم في أفواههم( وهو أشارة إلى السكوت عن ذلك والتسكيت ، كأنه لا يليق أن يتفوه ولو على سبيل الرد ؛ قال الرازي في اللوامع: حكى أبو عبيد: كلمته في حاجتي فرد يده في فيه - إذا سكت ولم يجب .
)و ( بعد أن فعلوا ذلك لهذه الأغراض الفاسدة ) قالوا ) أي الأمم ) إنا كفرنا ) أي غطينا مرائي عقولنا مستهينين ) بما ( ولما كان رد الرسالة جامعًا للكفر ، وكانوا غير مسلّمين أن المرسل لهم هو الله ، بنوا للمفعول قولهم:( أرسلتم به ) أي لأنكم لم تأتونا بما يوجب الظن فضلًا عن القطع ، فلذا لا يحتاج رده إلى تأمل .
ولما كان ما أتى به الرسل يوجب القطع بما يعلمه كل أحد ، فكانوا بما قالوه في مظنة الإنكار ، أكدوا: ( وإنا لفي شك ) أي محيط بنا ، وهو وقوف بين الضدين من غير ترجيح أحدهما ، يتعاقب على حال الذكر ويضاد العلم والجهل .
ولما كان الدعاء مسندًا إلى جماعة الرسل ، أثبت نون الرفع مع ضمير المتكلمين بخلاف ما مضى في هود ، فقالوا ) مما ) أي شيء ) تدعوننا ( أهيا الرسل ) إليه ) أي من الدين ) مريب ) أي موجب للتهمة وموقع في الشك والاضطراب والفزع ، من أراب الرجل: صار ذا ريبة أي قلق وتزلزل .