صفحة رقم 194
أشرك معه أقرب الناس إليه وأحقهم بشكره فقال: ( ولوالدي ( وقد كان اسغفاره لهما قبل أن يعلم أن أباه مات كافرًا ، وقد علم من السياق أنه إذا كان وحده أضاف إلى ضميره ، وإذا تقدم ما يحسن جمعه معه جمع إن كان ما بعده مستقلًا ، ثم كل من تبعه في الدين من ذريته وغيرهم فقال:( وللمؤمنين ) أي العريقين في الوصف ) يوم يقوم ) أي يظهر ويتحقق على أعلى وجوهه ) الحساب( .
ولما ختمم دعاءه بيوم الحساب الموجب ذكره لكل سعادة ونسيانه لكل شقاوة ، ذكر بعض ما يتفق فيه رجوعًا إلى ما مضى من أحوال يوم القيامة على أحسن وجه ، فقال - عاطفًا على قوله )قل لعبادي ( وجل المقصد تهديد أهل الظلم بالإشراك وغيره ، وخاطب الرأس الذي لا يمكن ذلك منه ليكون أوقع في قلب غيره -:( ولا تحسبن الله ) أي الملك الأعظم الذي هو أحكم الحاكمين .
ولما كان اعتقاد ترك الحساب يلزم منه نسبة الحاكم إلى العجز أو السفه أو الغفلة ، وكان قد أثبت قدرته وحكمته في هذه السورة وغيرها نزهةً عن الغفلة لينتبه المنكرون للبعث من غفلتهم فقال: ( غافلًا( والغفلة: ذهاب المعنى عن النفس ) عما يعمل الظالمون ( الذين بدلوا نعمة الله كفرًا ، فكانوا عريقين في الظلم وإن كان مستند ظلمهم شبهًا علمية يقيمونها ، فكأنه قيل: فما الذي يفعل بهم ؟ فقال:( إنما يؤخرهم ) أي يؤخر حسابهم على النقير والقطمير سواء عذبوا في الدنيا أو لا ) ليوم تشخص ) أي تفتح فتكون بحيث لا تطرف ) فيه ( منهم ) الأبصار ) أي حال كونهم ) مهطعين ) أي مسرعين غاية الإسراع إلى حيث دعوا خوفًا وجزعًا ، مع الإقبال بالبصر نحو الداعي لا يلفتونه إلى غيره ) مقنعي رؤوسهم ) أي رافعيها وناصبيها ناظرين في ذل وخشوع إلى جهة واحدة ، وهي جهة الداعي ، لا يلتفتون يمينًا ولا شمالًا ، وهذا كناية عن أشد الذل والصغار ، ثم أتبعه ما يؤكده فقال مصرحًا بمعنى الشخوص: ( لا يرتد إليهم ( ولما كانوا في هيئة الأعين في الطرف والسكون قريبًا من السواء ، وحد فقال: ( طرفهم( بل أعينهم شاخصة دائمة الفتح لا تطرف كالمختصر لما بأصحابها من الهول ) وأفئدتهم( جمع فؤاد ، وهو العضو الذي من شأنه أن يحمى بالغضب ؛ قال في القاموس: والتفؤد: التحرق والتوقد ، ومنه الفؤاد للقلب مذكر ، جمعه أفئدة .
)هواء ) أي عدم فارغة لا شيء فيها من الجرأة والأنفة التي يظهرونها الآن كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:
ألا أبلغ أبا سفيان عني فأنت مجوف نخب هواء
والهواء: الخلاء الذي لم تشغله الأجرام ، والنخب: الجبان ، وكذا الهواء - قاله في القاموس .
فأنذرهم أهوال ذلك اليوم فإنه لا يبقى معهم فيه شيء مما هم فيه من