صفحة رقم 197
وتراهم ، ولكنه أظهر لتعدد صفاتهم التي أوجبت لهم الخزي ؛ والإجرام: قطع ما يجوز من العمل بفعل ما لا يجوز ) يومئذ ) أي إذ كانت هذه الأمور العظام ) مقرنين ) أي مجموعًا كل منهم إلى نظيره ، أو مجموعة أيديهم إلى أعناقهم جمعًا فيه شدة وضيق ) في الأصفاد ) أي القيود ، والمراد هنا الأغلال ، أي السلاسل التي تجمع الأيدي فيها إلى الأعناق ويقربون فيها مع أشكالهم ؛ ثم بين لباسهم بقوله: ( سرابيلهم ) أي قمصهم السابغة ) من قطران ( وهو ما يهنأ به الإبل ، ومن شأنه أنه سرع فيه اشتعال النار ، وهو أسود اللون منتن الريح .
ولما كان هذا اللباس مع نتنه وفظاعته شديد الانفعال بالنار ، بين أنه يسلطها عليهم فقال: ( وتغشى ( ولما كان الوجه أشرف ما في الحيوان ، فإهانته إهانة عظيمة لصاحبه ، ذكره وقدمه تعجيلًا لإفهام الإهانة فقال:( وجوههم النار ) أي تعلوها باشتعالها ، فعلم أنه يلزم من غشيانها لها اضطرابها فيما ضمخ بالقطران من باب الأولى ؛ ثم بين علة هذه الأفعال في ذلك اليوم ، فقال معبرًا بالجزاء والكسب الذي هو محط التكليف وظن النفع ، لاقتضاء سياق القهر لهما: ب ) ليجزي الله ) أي الذي له الكمال كله ) كل نفس ( طائعة أوعاصية .
ولما عظم الأمر بإسناد الجزاء إلى الاسم الأعظم الجامع لجميع صفات الكمال ، اقتضى ذلك أن يكون نفس الكسب هو الجزاء ، لأن ذلك أبدع وأدق في الصنع وأبرع بأن يصور بما يحق من الصور المليحة عند إرادة الثواب ، والقبيحة عند إرادة العقاب ، فلذلك أسقط الباء - التي ستذكر في ( حم المؤمن ) وقال: ( ما كسبت ( والجزاء: مقابلة العمل بما يقتضيه من خير أو شر ؛ والكسبك فعل ما يستجلب به نفع أو يستدفع به ضر ، ومن جزاء المؤمن عقوبة من عاداه في الله .
ولما كان حساب كل نفس جديرًا بأن يستعظم ، قال: ( إن الله ) أي الذي له الإحاطة المطلقة ) سريع الحساب ) أي لا يشغله حساب نفس عن حساب أخرى ولا شأن عن شأن .
ولما اشتملت هذه السورة على ما قرع سمعك من هذه المواعظ والأمثال والحكم التي أبكمت البلغاء ، وأخرست الفصحاء ، وبهرت العقول ، ترجمها سبحانه بما يصلح عنوانًا لجميع القرآن فقال: ( هذا ) أي الكتاب الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور ) بلاغ ) أي كافٍ غاية الكفاية في الإيصال ) للناس ( ليصلوا به إلى الله بما يتحلون به من المزايا في سلوك صراطه القويم ، فإن مادة( بلغ ) بأي ترتيب كان - تدور بما يتحلون به من وتارة تلزمها القوة وتارة الإعياء الناشئ عن الضعف: بلغ المكان بلوغًا: وصل إليه ؛ وبُلغ الرجل - كعني: جهد ، والبليغ: الفصيح يبلغ