صفحة رقم 206
ثم لما أجابهم بهذا الجواب الدال على تمام القدرة وكمال العلم الدالين على الوحدانية ، عطف على ما تقدم أنه في قوة الملفوظ قوله دالًا على تركهم الجواب إلى التعنت والسفه: ( وقالوا ) أي لم يجوزوا أنهم يودون ذلك ، بل استمروا على العناد وقالوا: ( يأيها الذي ( ولما كان تكذيبهم بالتنزيل نفسه ، بني للمفعول قوله:( نزل عليه ) أي بزعمه ) الذكر ( وبينوا أنهم ما سموه تنزيلًا إلا تهكمًا ، فقالوا مؤكدين لمعرفتهم بأم قولهم منكر:( إنك لمجنون ) أي بسبب ادعائك أن الله أنزل عليك ذكرًا والذي تراه جني يلقى إليك تخليطًا ، فكان هذا دليلًا علة عنادهم ، فإنهم أقاموا الشتم مقام الجواب عما مضى صنعه المغلوب المقطوع في المناظرة ، تم أتبعوه ما زعموا أنه دليل على قولهم فقالوا: ( لو ما ) أي هلا ولم لا ) تأتينا بالملائكة ( دليلًا على صدقك إما للشهادة لك وإما لإهلاك من خالفك ) إن كنت ) أي جبلة وطبعًا ) من الصادقين ( فيما تقول ، أي ما وجه اختصاصك عنا بنزول الملائكة عليك ورؤيتك إياهم وأنت مثلنا في الإنسانية والنسب والبلد ؟ هذا بعد أن قامت على صدقه الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة التي أعظمها القرآن الداعي لهم إلى المبارزة كل حين المبكت لهم بالعجز عن المساجلة كل وقت .
الحجر: ( 8 - 15 ) ما ننزل الملائكة. .. . .
)مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ (( )
ولما كان في قولهم أمران ، أجاب عن كل منهما على طريق الاستئناف على تقدير سؤال من كأنه قال: ربما إذا أجابهم ؟ فقيل: أجاب عن الثاني لأنه أقرب بقوله: ( ما تُنزل الملائكة ) أي هذا النوع ) إلا ( تنزلًا ملتبسًا ) بالحق ) أي بسبب عمل الأمر الثابت ، وهو معنى ما قال البخاري في كتاب التوحيد: قال مجاهد: بالرسالة والعذاب ، وأما على الرسل فبالحق من الأقوال ، وأما على المنذرين فبالحق من الأفعال من الهلاك والنجاة ، فلو نزلوا عليهم كما اقترحوا لقضي الأمر بينك وبينهم فهلكوا ) وما كانوا ) أي الكفار ) إذًا ) أي إذ تأتيهم الملائكة ) منظرين ) أي حاصلًا لهم على الإنظار على تقدير من التقادير ، لأن الأمر الثابت يلزمه نجاة الطائع وهلاك العاصي في الحال من غير إمهال ، وكان حينئذ يفوت ما قضينا به من تأخيرهم وإخراج من أردنا إيمانه من