فهرس الكتاب

الصفحة 2137 من 4996

صفحة رقم 239

كما تظنون ، ولما كان إتيانها لهذا العرض مما يشفي القلب لإدراك الثأر وهو حق لا بد منه ، تسبب عنه قوله تعالى ) فاصفح الصفح الجميل( .

ولما كانت النفس بخبر الأعلم أوثق ، وكان صانع الشيء أعلم به من غيره فكيف إذا كان مع تام للعلم قال الله تعالى معللًا لذلك )إن ربك ) أي المحسن إليك ) وهو الخلاّق ) أي التام القدرة على الإيجاد والإعدام ، الفعال لذلك ( العليم ) البالغ العلم ؛ ولما ختم بهذين الوصفين بعد تقدم الأخبار عما أوتى أهل الحجر من الآيات ، وأنه خلق الوجود بالحق لا بالتمويه ، وكان ذلك موجبًا لتوقع الإخبار عما أوتي هذا النبي الكريم منها لإرشاد أمته ، وكانت الآيات إما أن تكون من قسم الخلق كآية صالح ، أو من قسم الأمر الذي هو مدار العلم ، أشار إلى تفضيله ( صلى الله عليه وسلم ) بفضل ابنه ، فقال عاطفًا على ذلك ) ولقد ءاتيناك ) أي إن كنا أتينا صالحًا أو غيره آية مضت فلم يبق إلا ذكرها فقد آتيناك ) سبعًا من المثاني ( وهي الفاتحة التي خصصت بها ، ثنى فيها البسملة للمبادئ ، والحمدلة للكمالات ، والرحمانية والرحيمية فيها للإبداع الأول والمرضي من الأعمال ، وملك الدنيا المسمى بالربوبية لكونه مستورًا ، وملك يوم الدين ، وبينهما رحمانية الإيجاد الثاني بالمعاد ورحيمية الثواب للمرضي من الأسباب ، والعبادة التي لا تكون إلا مع القدرة والاختيار ، والاستعانة الناظرة إلى العجز عن كمال الاقتدار ، والهداية بالهادي والمهدي ، والضلال في مقابل ذلك بالمضل والضال ، وفي ذلك أسرار لا تسعها الأفكار ) والقرآن الكريم( الجامع لجميع الآيات مع كونه حقًا ثابتًا لا سحرًا وخيالًا ، بل هو باقية على وجه الدهر ، مستمرًا أمرها ، دائمًا تلاوتها وذكرها ، تفني الجبال الرواسي وهي باقية ، وتزول السماوات والأراضي وهي جديدة ، إذا اصطف عسكر الفجرة قالت كل آية منها هل من مبارز ؟ وإن رام عدو مطاولة لتحققه بالضعف صاحت لدوام قوتها: إني أناجز فلا تقوم لها قائم ، ولا يحوم حول حماها حائم ، ولا يروم خوض بحرها رائم .

ولما كانت هذه الآية لصاحبها مغنية ، ولمن فاز بقبولها معجبة مرضية ، حسن كل الحسن اتباعها بقوله )لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم ( ولما كان كفرهم بعد بيانها غنما هو عناد ، قال تعالى( ولا تحزن عليهم ) ولما كان الغني بها ربما طن حسن أنفة الغنى ، عقبه قوله ) واخفض جناحك للمؤمنين ( ولما كان ربما ظن أن تلاوتها تغني عن الدعاء لا سيما لمن أعرض ، نفي ذلك بقوله ) وقل إني أنا النذير المبين ( تحريضًا على الاجتهاد في التحذير ، وتثبيتًا للمؤمنين وإرغامًا للمعاندين ، واستجلابًا لمن أراد الله إسعاده من الكافرين ، إعلامًا بأن القلوب للمؤمنين بيد الله سبحانه وتعالى ، فلا وثوق مع ذلك بمقبل ، ولا يأمن عن مدبر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت