فهرس الكتاب

الصفحة 2166 من 4996

صفحة رقم 268

ولما كان البعث متضمنًا معنى القول ، كان المعنى: فذهبوا إليهم قائلين: ( أن اعبدوا الله ) أي الملك الأعلى وحده ) واجتنبوا ) أي بكل جهدكم ) الطاغوت ( كما أمركم رسولنا ) فمنهم ) أي فتسبب عن إرسال الرسل أن كانت الأمم قسمين: منهم ) من هدى الله ) أي الذي له الإحاطة الكاملة ، للحق فحقت له الهداية فأبصر الحق وعمل به باتباع الدعاة الهداة فيما أمروا به عن الله ، فحقت له الجنة ) ومنهم من حقت ) أي ثبتت غاية الثبات ) عليه الضلالة ( بأن أضله الله فنابذ الأمر فلم يعمل به وعمل بمقتضى الإرادة ، فإن الأمر قد لا يكون ما تعلق به ، والإرادة لا بد أن يكون ما تعلقت به ، وقد يكون موافقها عاملًا بالضلالة فحق عليه عذابها فحقت له النار فهلك ، لأنه لم تبق له حجة يدفع بها عن نفسه ، فلو كان كل ما شاءه حقًا كان الفريقان محقين فلم يعذب أحدهما ، لكنه لم يكن الأمر كذلك ، بل عذب العاصي ونجى الطائع في كل أمة على حسب ما قال الرسل ، وهذا هو معنى رضي الله ، إطلاقًا لاسم الملزوم على اللازم ، فدل ذلك قطعًا على صدق الرسل وكذب مخالفيهم ، فالآية من الاحتباك: ذكر فعل الهداية أولًا دليلًا على فعل الضلال ثانيًا دليلًا على حقوق الهداية أولًا .

ثم التفت إلى مخاطبتهم إشارة إلى أنه لم يبق بعد هذا الدليل القطعي في نظر البصيرة إلا الدليل المحسوس للبصر فقال: ( فسيروا ) أي فإن كنتم أيها المخاطبون في شك من إخبار الرسل فسيروا ) في الأرض ) أي جنسها ) فانظروا ) أي إذا سرتم ومررتم بديار المكذبين وآثارهم ، وعبر هنا بالفاء المشيرة إلى التعقب دون تراخ لأن المقام للاستدلال المنقذ من الضلال الذي تجب المبادرة إلى الإقلاع عنه بخلاف ) ثم انظروا ( في الأنعام لما تقدم ، وأشار بالاستفهام إلى أن أحوالهم مما يجب أن يسأل عنه للاتعاظ به فقال:( كيف كان ) أي كونًا لا قدرة على الخلاص منه ) عاقبة ) أي آخر أمر ) المكذبين ) أي من عاد ومن بعدهم الذين تلقيتم أخبارهم عمن قلدتموهم في الكفرمن أسلافكم ، فإنهم كذبوا الرسل فيما أمرتهم بإبلاغه مخالفة لأمري وعملًا بمشيئتي ، فأوقعت بهم لأنهم خالفوا أمري باختيارهم مع جهلهم بإرادتي ، فقامت عليهم الحجة على ما يتعارفه الناس بينهم .

ولما كان المحقق أنه ليس بعد الإيصال في الاستدلال إلى الأمر المحسوس إلا العناد ، أعرض عنهم ملتفتًا إلى الرؤوف بهم الشفيق عليهم ، فقال مسليًا له صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( إن تحرص على هداهم( فتطلبه بغاية جدك واجتهادك ) فإن الله ) أي الملك الأعظم ) لا يهدي ) أي هو بخلق الهداية في القلب - هذا على قراءة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت