فهرس الكتاب
صفحة رقم 269
الكوفيين بفتح الياء وكسر الدال ، ومن هاد ما بوجه من الوجوه على قراءة الجمهور بالبناء للمفعول ) من يضل ) أي من يحكم بضلاله ، وهو الذي أضلهم فلا يمكن غيره أن يهديهم لأنه لا غالب لأمره ؛ وقرئ شاذًا بفتح الياء من ضل بمعنى نسي ، أي فلا تمكن هداية من نسيه ، أي تركه من الهداية ترك المنسي فإنه ليس في يد غيره شيء ، ونقل الصغاني في مجمع البحرين أنه يقال: ضل فلان البعير أي أضله ، والضلال عند العرب سلوك غير سبيل القصد ، فالمعنى أنه كان سببًا لسلوك البعير غير مقصود ، فمعنى الآية: لا تهدي من يضله الله - بفتح الياء ، أي يكون سببًا لسلوكه غير سبيل القصد ، فلا تحزن ولا يضيق صدرك من عدم تأثرهم بنصحك وإخلاصك في الدعاء ، ولا يقع في فكرك أن في دعائك نقصًا ، إنما النقص في مرائيهم العمياء ، وليس عليك إلا البلاغ .
وقوله تعالى -: ( وما لهم ) أي هؤلاء الذين أضلهم الله وجميع من يضله ) من ناصرين ) أي ينصروكم عند مجازاتهم على الضلال ، لينقذوهم مما لحقهم عليه من الوبال ، كما فعل بالمكذبين من قبلهم - عطف على نتيجة ما قبله ، وهو فلا هادي لهم ما أراد الله ضلالهم ، وتبكيت لهم وتقريع وحث وتهييج على أن يقوموا بأنفسهم ويستعينوا بمن شاؤوا على نصب دليل ما يدعونه من أنهم أتبع الناس للحق ، إما بأن يبرهنوا على صحة معتقدهم أو يعينوهم على الرجوع عنه عند العجز عن ذلك ، أو يكفوا عنهم العذاب إذا حاق بهم .
ولما كان من حقهم - بعد قيام الأدلة على كمال قدرته وشمول علمه وبلوغ حكمته في إبداع جميع المخلوقات مما نعلم ومالا نعلم على أبدع ترتيب وأحسن نظام - تصديق الهداة في إعلامهم بأنه سبحانه يعيدهم للبعث وأنهم لم يفعلوا ولا طرقوا لذلك احتمالًا ، بل حلفوا على نفيه من غير شبهة عرضت لهم ولا إخبار عن علم وصل إليهم فعل الجلف الجافي الغبي العاسي ، أتبع ذلك سبحانه تعجيبًا آخر من حالهم ، فقال - عاطفًا على ) وقال الذين أشركوا ( لأن كلاًّ من الجملتين لبيان تكذيبهم الرسل والتعجيب منهم في ذلك ، دالًا على ان اعتقادهم مضمون هذه الجملة هو الذي جرأهم على قول الأولى وما تفرغ منها -:( وأقسموا بالله ) أي الملك الأعظم ) جهد أيمانهم ( جعلت الأيمان جاهدة لكثرة ما بالغوا فيها:( لا يبعث الله ) أي الذي له الإحاطة بكل شيء ) من يموت ) أي يحيي أحدًا بعد موته ، استنادًا منهم إلى مجرد استبعاد مالم تجر به نفسه عندهم عادة ، جمودًا منهم عن حلها بأن النشأة الأولى كانت من غير عادة ، مع ادعائهم أنهم أعقل الناس وأحدهم أذهانًا وأثقبهم أفهامًا .
ثم رد عليهم بقوله تعالى: ( بلا ) أي ليبعثهم لأنه لا مانع له من ذلك وقد وعد