فهرس الكتاب

الصفحة 2191 من 4996

صفحة رقم 293

شأنه ، تعالى سلطانه ، لأن الفرق أن ملوك الدنيا المقيس عليهم إنما أقاموا مَن ذكر لحاجتهم وضعف مُلكهم ومِلكهم ، فحالهم مخالف لوصف من لا تأخذه سنة ولا نوم ، ولا يشغله شأن عن شأن ، وكل شيء في قبضته وتحت قهره وعظمته ، فلذلك تسبب عنها قوله تعالى: ( فلا تضربوا لله ) أي الذي له الإحاطة الكاملة ) الأمثال ) أي فتشبهوه تشبيهًا بغيره وإن ضرب لكم هو الأمثال ؛ قال أبو حيان وغيره: قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي لا تشبهوه بخلقه - انتهى .

وهو - كما قال في الكشاف - تمثيل للإشراك بالله والتشبيه به ، لأن من يضرب الأمثال مشبه حالًا بحال وقصة بقصة - انتهى .

وهذا النهي عام في كل مثل لخطر الأمر خشية أن يكون ذلك المثل غير لائق بمقداره ، وقد تقرر أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح ، لاسيما في هذا لأن الخطأ فيه كفر ، ويدل على ذلك تعليل الحكم بقوله تعالى: ( إن الله ) أي الذي له الأمر كله ولا أمر لغيره ) يعلم ) أي له جميع صفة العلم ، فإذا ضرب مثلًا أتقنه بإحاطة علمه بحيث لا يقدر غيره أن يبدي فرقًا ما بين الممثل والممثل به في الأمر الممثل له ) وأنتم لا تعلمون ) أي ليس لكم علم أصلًا ، فلذلك تعمون عن الشمس وتلبّس عليكم ما ليس فيه لبس ، وهذا المقام عال ومسلكه وعر ، وسالكه على غاية من الخطر .

ولما ختم سبحانه بذلك تأكيدًا لإبطال مذهب عبدة الأصنام بسلب العلم الذي هو مناط السداد عنهم ، حسن أن يصل به قوله - إقامة للدليل على علمه بأن أمثاله لا يتطرق إليها الطعن ، ولا يتوجه نحوها الشكوك -: ( ضرب الله ) أي الذي له كمال العلم وتمام القدرة ) مثلًا ( بالأحرار والعبيد له ولما عبدتموه معه ؛ ثم أبدل من مثلًا: ( عبدًا ( ولما كان العبد يطلق على الحر بالنسبة إلى الله تعالى ، قال تعالى: ( مملوكًا( لا مكاتبًا ولا فيه شائبة للحرية ) ولا يقدر على شيء ( بإذن سيده ولا غيره ، وهذا مثل شركائهم ، ثم عطف على( عبدًا ) قوله: ( ومن رزقناه منا( من الأحرار ) رزقًا حسنًا ( واسعًا طيبًا ) فهو ينفق منه ( دائمًا ، وهو معنى ) سرًا وجهرًا ( وهذا مثل الإله وله المثل الاعلى ؛ ثم بكتهم إنكارًا عليهم بقوله تعالى:( هل يستون ) أي هذان الفرقان الممثل بهما ، لأن المراد الجنس ، فإذا كان لا يسوغ في عقل أن يستوي بين مخلوقين: أحدهما حر مقتدر والآخر مملوك عاجز ، فكيف يسوي بين حجر موات أو غيره وبين الله الذي له القدرة التامة على كل شيء ؟ ولما كان الجواب قطعًا: لا وعلم أن الفاضل ما كان مثالًا له سبحانه ، على أن من سوى بينهما أو فعل ما يؤول إلى التسوية أجهل الجهلة .

فثبت مضمون ) إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ( وأن غيره تعالى لا يساوي شيئًا ، فثبت بلا ريب أنه المختص بالمثل الأعلى ، فعبر عن ذلك بقوله تعالى:( الحمد لله ) أي له الإحاطة بالعلم وجميع صفات

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت