فهرس الكتاب
صفحة رقم 301
دعوى النفع لهم والضر كذبًا وفجورًان فكأنه قيل: هذا للذين أشركوا ، فما للذين كانوا دعاة إلى الشرك مانعين من الانتقال عنه ؟ فقيل: ( الذين كفروا ) أي أوجدوا الكفر في أنفسهم ) وصدوا ( مع ذلك غيرهم ) عن سبيل الله ) أي الذي له الإحاطة كلها ) زدناهم ) أي بما لنا من العظمة ، بصدهم غيرهم ) عذابًا فوق العذاب ( الذي استحقوه على مطلق الشرك ) بما كانوا ) أي كونًا جبليًا ) يفسدون ) أي يوقعون الفساد ويجددونه ؛ ثم كرر التحذير من ذلك اليوم على وجه يزيد على ما افهمته الآية السالفة ، وهو أن الشهادة تقع على الأمم لا لهم ، وتكون بحضرتهم ، فقال تعالى: ( ويوم ) أي وخوفهم يوم ) نبعث ) أي بما لنامن العظمة ) في كل أمة ( من الأمم ) شهيدًا ) أي هو في أعلى رتب الشهادة ) عليهم ( .
ولما كانت بعثة الأنبياء السابقين عليهم السلام خاصة بقومهم إلا قليلًا ، قال: ( من أنفسهم ( وهو نبيهم .
ولما كان لذلك اليوم من التحقق ما لا شبهة فيه بوجه وكذا هادة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، عبر بالماضي إشارة إلى ذلك ، وإلى أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يزل من حين بعثه متصفًا بهذه الصفة العلية فقال تعالى: ( وجئنا ) أي بما لنا من العظمة ) بك شهيدًا ) أي شهادة هي مناسبة لعظمتنا ) على هؤلاء ) أي الذين بعثناك إليهم وهم أهل الأرض ، وأكثرهم ليس من وقوعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولذلك لم يقيد بعثته بشيء ؛ ثم بين أنه لا إعذار في شهدائه فإنه لا حجة في ذلك اليوم لمن خالف أمره اليوم ، لأنه سبحانه أزاح العلل ، وترك الأمر على بيضاء نقية ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك ، فقال عاطفًا على قوله ) وما أنزلنا عليك الكتاب ( - الآية ، المتعقب لقوله ) لا جرم ( - الآيتين:( ونزلنا ) أي بعظمتنا بحسب التدريج والتنجيم ) عليك الكتاب ( الجامع للهدى ) تبيانًا ) أي لأجل البيان التام ، قالوا: وهو اسم وليس بمصدر كتلقاء ) لكل شيء ( ورد عليك من أسئلتهم ووقائعهم وغير ذلك ، وهو في أعلى طبقات البيان كما أنه في أعلى طبقات البلاغة ، لأن المعنى به أسرع إلى الأفهام وأظهر ، في الإدراك ، والنفس أشد تقبلًا له لما هوعليه من حسن النظام والقرب إلى الافهام ، وإنما احتيج إلى تفسيره مع أنه في نهاية البيان لتقصير الإنسان في العلم بمذاهب العرب الذين هم الأصل في هذا اللسان ، وتقصير العرب عن جميع مقاصده كما قصروا عن درجته في البلاغةن فرجعت الحاجة إلى التقصير الفهم لا إلى تقصير الكلام في البيان ، ولهذا تفاوت الناس في فهمه لتفاوتهم في درجات البلاغة ومعرفة طرق العرب في جميع أساليبها ؛ قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في آخر خطبة الرسالة بعد أن دعا الله تعالى أن يرزقه فهمًا في كتابه ثم في سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله