فهرس الكتاب
صفحة رقم 372
شرعه في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، لا أي سعي بما لم يشهد ظاهر الكتاب والسنة ، إعلامًا بأن النية لا تنفع إلا مع العمل ، إما بالفعل عند التمكن ، وإما بالقوة عند عدمه ؛ ثم ذكر شرط السعي الذي لا يقبل إلا به ، فقال تعالى: ( وهو مؤمن ) أي راسخ في هذا الوصف كما جاء عن بعض السلف: من لم يكن له ثلاث لم ينفعه عمله: إيمان ثابت ، ونية صادقة ، وعمل مصيب - وتلا هذه الآية ، وهذا الرسوخ هو الإحسان الذي يدور عليه مقصود السورة ؛ ثم رتب عليه الجزاء فقال: ( فأولئك ) أي العالو الرتبة لجمعهم الشرائط الثلاثة ) كان ) أي كونًا لا بد منه ) سعيهم مشكورًا ) أي مقبولًا مثابًا عليه بالتضعيف مع أن بعضهم نفتح عليه الأبواب الدنيا كداود وسليمان عليهما الصلاة والسلام ونستعمله فيها بما يحب ، وبعضهم نزويها عنه كرامة له لا هوانًا ، فالحاصل أنها إن وجدت عند الوالي لم تشرفهن وإن عدمت عنه لم تحقره ، وإنما الشرف وغيره عند الله بالأعمال .
ولمأ اخبر عن نفسه الشريفة بما يشير إلى التوسعة على من يريد من أهل الباطل ، أخبر بأنه قضى بذلك في الأزل تفضلًا فقال تعالى: ( كلاًّ ) أي من الفريقين: مريد الدنيا ومريد الآخرة ) نمد ) أي بالعطاء ؛ ثم أبدل من ) كلاًّ ( قوله تعالى:( هؤلاء ) أي الذين طلبوا الدنيا نمد ) وهؤلاء ( الذين طلبوا الآخرة نمد ) من عطاء ربك ) أي المحسن إليه بجميع قضائهن إن ضيق على مؤمن فبالحماية من الدنيا الفانية التي إنما هي لهو ولعب ، وإن وسع فبالاستعمال فيها على مؤمن فبالحماية من الدنيا الفانية التي إنما هي لهو ولعب ، أي الموجد لك المدبر لأمرك ) محظورًا ) أي ممنوعًا في الدنيا عن مؤمن ولا كافر ، بل هو ملء السهل والجبل من الذهب والفضة والحديد والنحاس والجواهر والثمار وأقوات الناس والبهائم ، وغير ذلك مما ال يحصيه إلا الله حتى لو اجتمع كل الناس على جمعه ليلًا ونهارًا ، ولم يكن لهم شغل سوى ذلك ، لأعياهم ولم يقدروا عليه ، فسبحان الجواد الواسع المعطي المانع ، ثم أمر بالنظر في عطائه هذا على وجه مرغب في الآخرة مزهد في الدنيا ، فقال تعالى آمرًا بالاعتبار: ( انظر ( وبين أن حالهم لغرابته أهل لأن يسأل عنه فقال تعالى:( كيف فضلنا ) أي بما لنا من العظمة القاهرة ) بعضهم على بعض ( في هذه الحياة الدنيا بالعطاء ، فصار الفاضل يسخر المفضول ، والمفضول يرغب في خدمة المفضل ويتشف بالتقرب إليه ، مع رزق الله - وهوعطاءه - بالنبسبة إلى الكل على حد سواء ، خلق ما هو موجود في هذه الدنيا للبر والفاخر ، وكل حريصون على أن يأخذوا فوق كفايتهم من الأرزاق التي هي أكثر منهم ، فما كان هذا التفاضل إلا