فهرس الكتاب
صفحة رقم 384
تطريقًا عظيمًا بأنواع طرق البيان من العبر والحكم ، والأمثال والأحكام ، والحجج والأعلام ، في قوالب الوعد والوعيد ، والأمر والنهي ، والمحكم والمتشابه - إلى غير ذلك ) في هذا القرءان ( من هذه الطرق ما لا غبار عليه ، ونوعناه من جهة إلى جهة ، ومن مثال إلى مثال ؛ والتصريف لغة: صرف الشيء من جهة إلى أخرى ، ثم صار كناية عن التبيين - قاله أبو حيان .
ولما كان ذلك مركوزًا في الطباع ، وله في العقول أمثال تبرز عرائسها من خدورها بأدنى التفات من النفس ، سمي الوعظ بها تذكيرًا بما هو معلوم فقال تعالى: ( ليذكروا ) أي نوعًا من التذكير - بما أشار إليه الإدغام ، فإنه سبحانه كريم يرضى باليسير - هذا في قراءة الجماعة ، وقرأ حمزة والكسائي بإسكان الذال وضم الكاف إشارة إلى أن جميع ما في القرآن لا يخرج شيء منه عن العقل ، بل هو مركوز في الطباع ، وله شواهد في الأنفس والآفاق ، يستحضرها الإنسان بأدنى إشارة وأيسر تنبيه ، إذا أزيل عنها ما سترها عن العقل من الحظوظ والشواغل ، وأتبعه قوله تعالى معجبًا منهم: ( وما يزيدهم( التصريف ) إلا نفورًا ( عن السماع فضلًا عن التذكير ، لاعتقادهم أن ذلك ليس ببراهين ، بل هو شبه وخيل إلى صرفهم عما هم فيه مما ألفوه وتلقوه عن آبائهم وتمادت عليهم الدهور في اعتقاد كونه حقًا ، فكأنه قيل: فما يفعل بهم ؟ فقال تعالى: ( قل ( لهم ولا تيأس من رجوع بعضهم:( لو كان معه ) أي ربكم الذي تقدم وصفه بالإحسان والتنزيه ) ءالهة كما يقولون ( من هذه الأقوال التي لو قالها أعظمكم في حق أدناكم وهو يريد بها حقيقتها لصار ضحكة للعباد ) إذًا لابتغوا ) أي طلبوا طلبًا عظيمًا ) إلى ذي العرش ) أي صاحب السرير الأعظم المحيط الذي مكن ناله كان منفردًا بالتدبير ) سبيلًا ) أي طريقًا سالكًا يتوصلون به إليه ليقهروه ويزيلوا ملكه كما ترون من فعل ملوك الدنيا بعضهم مع بعض ، أو ليتخذوا عنده يدًا تقربهم إليه ، وصرح بالعرش تصويرًا لعظمته وتعيينًا للمبتغي والمبتغى ؛ ثم نزه نفسه تعظيمًا عن ذلك وعن كل نقص فقال تعالى: ( سبحانه ) أي تنزه التنزه الأعظم عن كل شائبة نقص ) وتعالى ) أي علا أعظم العلو بصفات الكمال ) عما يقولون ( من هذه النقائض التي لا يرضاهخا لنفسه أحد من عقلاء حخلقه فضلًا عن رئيس من رؤسائكم ، فكيف بالعلي الأعلى وأتى بالمصدر المجرد في قوله تعالى: ( علوًا( إيذانًا بأن الفعل مجرد في الحقيقة وإن أتى به على صيغة التفاعل إيذانًا بالمبالغة ) كبيرًا ( لا تحتمل عقولكم الوقوف على حقيقته ولا تدركون منه أكثر من مفهوم هذا الوصف عندكم بحسب ما تتعارفونه:
والأمر أعظم من مقاله قائل إن رقق البلغاء أو إن فخموا