صفحة رقم 448
عن بقية التراب ، ثم يرسل الماء فيختط بالتراب فيجمعه أخضر يانعًا يهتز بالنمو على أحسن ما كان ، وهكذا كل سنة ، فهذا بلا شك أعجب حالًا ممن حفظت أجسامهم مدة عن التغير ثم ردت أرواحهم فيها ، وقد كان في سالف الدهر يعمر بعض الناس أكثر من مقدار ما لبثوا ، وهذا الكهف - قيل: هو في جبال بمدينة طرسوس وهو المشهور ، وقال أبو حيان: قيل: هو في الروم ، وقيل: في الشام ، وقيل: في الأندلس ، قال: في جهة جرناطة بقرب قرية تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة ، وأكثرهم قد انجرد لحمه ، وبعضهم متماسك وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من عرف شأنهم ، ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف ، ونقل عن ابن عطية قال: دخلت إليهم سنة أربع وخمسمائة فرأيتهم بهذه الحالة وعليهم مسجد وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم ، وهو في فلاة من الأرض ، وبأعلى حضرة غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة يقال لها مدينة دقيوس ، ونقل أبو حيان عن أبيه أنه حين كان بالأندلس كان الناس يزورون هذا الكهف ويذكرون أنهم يغلطون في عدتهم إذا عدوهم وأن معهم كلبًا ، قال: وأما ما ذكرت من مدينة دقيوس التي بقلبي غرناطة ، فقد مررت عليها مرارًا لا تحصى ، قال: ويترجح كون أصحاب الكهف بالأندلس - انتهى ملخصًا .
قلت: وفيه نظر ، والذي يرجح المشهور ما نقل البغوي وغيره عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: غزونا مع بلاد الأندلس والله أعلم .
ولما صغر أمرهم بالنسبة إلى جليل آياته وعظيم بيناته وغريب مصنوعاته ، لخص قصتهم التي عدوها عجبًا وتركوا الاستبصار على وحدانية الواحد القهار بما هو العجب العجيب ، والنبأ الغريب ، فقال تعالى: ( إذا أوى ) أي كانوا على هذه الصفة حين أووا ، ولكنه أبرز الضمير لبيان أنهم شبان ليسوا بكثيري العدد فليست لهم أسنان استفادوا بها من التجارب والتعلم ما اهتدوا إليه من الدين والدنيا ، ولا كثرة حفظوا بها ممن يؤذيهم أيقاظًا ورقودًا فقال تعالى: ( الفتية( وهو أصحاب الكهف المسؤول عنهم ، والشبان أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ ) إلى الكهف ( المقارب لقريتهم المشهور ببلدتهم فرارًا بدينهم كما أويت أنت والصديق إلى غار ثور فرارًا بدينكما ) فقالوا ( عقب استقرارهم فيه: ( ربنا ءاتنا ( ولما كانت الموجودات - كما مضى عن الحرالي في آل عمران - على ثلاث رتب: حكيمات جارية على قوانين العادات ، وعنديات خارقة للمطردات ولدنيات مستغرقة في الأمور الخارقات ، طلبوا أعلاها فقالوا:( من لدنك ) أي من مستبطن الأمور التي عندك ومستغربها ) رحمة ) أي إكرامًا تكرمنا به كما يفعل