صفحة رقم 75
ولما كانوا عند هذا البيان جديرين بأن يبادروا إلى التوحيد فلم يفعلوا ، كانوا حقيقين بعد الإعراض عنهم - بالتوبيخ والتهكم والتعنيف فقال تعالى: ( أم اتخذوا ) أي أعملوا أن ك لشيء تحت قهره نافذ فيه أمره فرجعوا عن ضلالهم ، أم لم يعلموه ، أو عملوا ما ينافيه فاتخذوا ) ءالهة ( .
ولما كانت معبوداتهم أصنامًا أرضية من حجارة ونحوها قال: ( من أرض( اي التي هم مشاهدون لأنها وكل ما فيها طوع مشيئته ) هم ) أي خاصة ) ينشرون ) أي يحيون شيئًا مما فيها من الأجسام النامية حتى يستحقوا بذلك صفة الإلهية ، وإفادة السياق الحصر تفيد أنه لو وقع الإنشاء لأحد على وجه يجوّز مشاركة غيره له لم يستحق العبادة ، وفي هذا الاستفهام تهكم بهم بالإشارة إلى أنهم عبدوا ما هو من أدنى ما في الأرض مع أنه ليس في الأرض ما يستحق أن يعبد ، لأن الإنسان أشرف ما فيها ، ولا يخفى ما له من الحاجة المعبدة من تلك الرتبة الشماء .
ولما كان الجواب قطعًا: لم يتخذوا آلهة بهذا الوصف ، ولا شيء غيره سبحانه يستحق وصف الإلهية ، أقام البرهان القطعي على صحة نفي إله غيره ببرهان التمانع ، وهو أشد برهان لأهل الكلام فقال: ( لو كان فيهما ) أي السموات والأرض ، أي في تدبيرهما .
ولما كان الأصل فيما بعد كل من ( إلا ) و ( غير ) أن يكون من جنس ما قبلهما وإن كان مغيرًا له في العين ، صح وضع كل منهما موضع الآخر ، واختير هنا التعبير بأداة الاستثناء والمعنى للصفة إذ هي تابعة لجميعع منكور غير محصور الإفادة إثبات الإلهية له سبحانه مع النفي عما عداه ، لأن ) لولا ( - لما فيها من الامتناع - مفيدة للنفي ، فالكلام في قوة أن يقال( ما فيهما ) ) ءالهة إلا الله ) أي مدبرون غير من تفرد بصفات الكمال ، ولو كان فيهما آلهة غيره ) لفسدتا ( لقضاء العادة بالخلاف بين المتكافئين المؤدي إلى ذلك ، ولقضاء العقل بإمكان الاختلاف اللازم منه إمكان التمانع اللازم منه إمكان عجز أحدهما اللازم منه أن لا يكون إلهًا لحاجته ، وإذا انتفى الجمع ، انتفى الاثنانى من باب الأولى ، لأن الجمع كلما زاد حارب بعضهم بعضًا فقل الفساد كما نشاهد .
ولما أفاد هذا الدليل أنه لا يجوز أن يكون المدبر لها إلا واحدًا ، وأن ذلك الواحد لا يكون إلا الله قال: ( فسبحان الله ) أي فتسبب عن ذلك تنزه المتصف بصفات الكمال ) رب العرش ) أي الذي هو نهاية المعلومات من الأجسام ، ورب ما دونه من السماوات