فهرس الكتاب

الصفحة 2820 من 4996

صفحة رقم 363

القلة متفرقون ليسوا على قلب واحد ، وذكر أن في اتباعهم شفاء الغلل ، أتبعه ما ينفي عن المتقاعد العلل ، فقال: ( وإنا لجميع ) أي أنا وأنتم جماعة واحدة مجتمعون بإياله الملك على قلب واحد .

ولما أشار بهذا الخبر إلى ضد ما عليه بنو إسرائيل مع قلتهم مما هو سبب للجرأة عليهم ، أخبر بخبر ثان يزيد الجرأة عليهم ، وفي مضادة لما اشير إليه ب ( قليلون ) من الاستضعاف فقال: ( حاذرون ) أي ونحن - مع إجماع قلوبنا - من شأننا وطبعنا الحذر ، فنحن لا نزال على أهبة القتال ، ومقارعة البطال ، لا عائق لنا عنه بسفر ولا بغيره ، أما من جهتي فبإفاضة الأموال عليكم ، وإدرار الأرزاق فيكم ، ووضع الأشياء في مواضعها في الأرض والرجال ، وأما من جهتكم فباستعمال الأمانة من طاعة الملك في وضع كل ما يعطيكم في مواضعه من إعداد السلاح والمراكب والزاد ، وجميع ما يحتاج إليه المحارب ، مع ما لكم من العزة والقوة وشماخة الأنوف وعظم النفوس مع الجرأة والإقدام والثبات في وقف الحقائق ، المحفوظ بالعقل المحوط بالجم المانع من اجتراء الأخصام عليكم ، ومكرهم لديكم ، فإنه يحكى أنه كان يتصرف في خراج مصر بأن سجزئه اربعة أجزاء: أحدها لوزرائه وكتابه وجنده ، والثاني لحفر الأنهار وعمل الجسور ، والثالث له ولولده ، والرابع يفرق من مدن الكور ، فإن لحقهم ظمأ أو استبحار أو فساد علة أو موت عوامل قوّاهم به ؛ وري أنه قصده قوم فقالوا: نحتاج إلى أن نحفر خليجًا لنعمر ضياعنا ، فإذن في ذلك واستعمل عليهم عاملًا فاستكثر ما حمل من خراج تلك الناحية إلى بيت المال ، فسأل عن مبلغ ما أنفقوه على خليجهم ، فإذا هو مائة ألف دينار ، فأمر بحملها إليهم فامتنعوا من قبولها ، فقال: اطرحوها عليهم ، فإن الملك إذا استغن بمال رعيته افتقر وافتقروا ، وأن الرعية إذا استغنت بمال ملكهم استغنى واستغنوا .

ولما كان التقدير: فأطاعوا أمره ، ونفوا على كل صعب وذلول ، عطف عليه قوله معلمًا بما آل إليه أمرهم: ( فأخرجناهم( اي بما لنا من القدرة ، إخراجًا حثيثًا مما لا يسمح أحد بالخروج منه ) من جنات ) أي بساتين يحق لها أن تذكر ) وعيون ( لا يحتاج معها إلى نيل ولا مطر ) وكنوز ( من الأموال تعرف بمقدار ما هم فيه من النعم الفاضلة عنهم ، مع ما هم فيه من تمام الاستعداد لمثل هذا المراد ) ومقام ( من المنازل ) كريم ) أي على صفة ترضي الرائي له لأنه على النهاية من الحسن لا يقال فيه: ليته كان كذا ، أو كان كذا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت