فهرس الكتاب

الصفحة 2824 من 4996

صفحة رقم 367

أي مطيقين بها على سبيل المواظبة متراكيمن بعضنا خلف بعض حبسين أنفسنا تعظيمًا لها ، فجروا على منوال هؤلاء في داء التقليد الناشىء عن الجهل بنفس العبادة وبظنهم مع ذلك أنهم على طائل كبير ، وأمر عظيم ، ظفروا به ، مع غفلة الخلق عنه - كما دل عليه خطابهم في هذا الكلام الذي كان يغني عنه كلمة واحدة ، وهذا هو الذي أوجب تفسير الظلول بمطلق الدوام وإن كان معناه الدوام بقيد النهار ، وكأنهم قصدوا بما يدل على النهار - الذي هو موضع الاشتغال والسهرة - الدلالة على الليل من باب الأولى ، مع شيوع استعماله أيضًا مطلقًا نحو ( فظلت أعناقهم لها خاضعين ) ، وزاد قوم إبراهيم عليه السلام أن استمروا على ضلالهم وأبوه معهم فكانوا حطب النار ، ولم يتكمن من إنقاذهم من ذلك ، ولم تكن لهم حيلة إلا دعاؤهم ، فهو أجدر بشديد الحزن وببخع نفسه عليهم وهو موضع التسلية .

ولما فهم عنهم هذه الرغبة ، أخذ يزهدهم فيها بطريق الاستفهام الذي لا أنصف منه عن أوصاف يلجئهم السؤال إلى الاعتراف بسلبها عنهم ، مع كل عاقل إذا تعقل أن لا تصح رتبة الإلهية مع فقد واحدة منها ، فكيف مع فقدها كلها ؟ فقال تعالى مخبراَ عنه: ( قال ( معبرًا عنها إنصافًا بما يعبر به العقلاء لتنزيلهم إياها منزلتهم: ( هل يسمعونكم ( اي دعاءكم مجرد سماع ؛ ثم صور لهم حالهم ليمنعوا الفكر فيه ، فقال معبرًا بظرف ماض وفعل مضارع تنبيهًا على استحضار جميع الزمان ليكون ذلك أبلغ في التبكيت:( إذ تدعون ) أي استحضروا أحوالكم معهم من أول عبادتكم لهم وإلى الآن: هل سمعوكم وقتًا ما ؟ ليكن ذلك مرجيًا لكم لحصول نفع منهم في وقت ما .

ولما كان الإنسان قد يعكف على الشيء - وهو غير سامع - لكن لنفعه له في نفسه أو ضره لعدوه كالنار مثلًا ، وكان محط حال العابد والداعي بالقصد الول بالذات جلب النفع ، قال: ( أو ينفعوكم ) أي على العبادة كما ينفع اق شيء تقتنونه ) أو يضرون ( على الترك: ( قالوا(: لا والله ليس عندهم شيء من ذلك ) بل وجدنا آباءنا كذلك ( اي مثل فعلنا هذا العالي الشأن ، ثم صوروا حالة آبائهم في نفوسهم تعظيمًا لأمرهم فقالوا:( يفعلون ) أي فنحن نفعل كما فعلوا لأنهم حقيقون منا بأن لا نخالفهم ، مع سبقهم لنا إلى الوجود ، فهم أرصن منا عقولًا ، وأعظم تجربة ، فلولا أنهم رأوا ذلك حسنًان ما واظبوا عليه ، هذا مع أنهم لو سلكوا طريقًا حسية حصل لهم منها ضرر حسي ما سلكوها قط ، ولكن هذا الدين يهون على الناس فيه التقليد بالباطل قديمًا وحديثًا .

ولما وصلوا إلى التقليد المخض الخالي عن أدنى نظر كما تفعل البهائهم والطير في تبعها لأولها ) قال ( معرضًا عن جواب كلامهم بنقص ، إشارة إلى أنه ساقط لا يرتضيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت