فهرس الكتاب

الصفحة 2896 من 4996

صفحة رقم 439

نبات ، أو أن تخرق ذلك الحابس بما لها من قوة الجري وشدة النفوذ بلطافة السريان ، لأن من عادة المياه التخلل بين أطباق التراب والتغلغل بما لها من اللطافة والرقة ، والثقل في الأعماق ولو قليلًا قليلًا ، وكان سبحانه قد سد ما بين البحرين: الرومي والفارسي ، وكان ما بينهما من الأرض إنما هو يسير جدًا في بعض المواضع ، وكان بعض مياه الأرض عذبًا ، وبعضه ملحًا ، معالقرب جدًا من ذلك العذب ، سالهم - تنبيهًا لهم على عظيم القدرة - عن الممسك لعدوان أحدهما على آخر ، ولعدوان كل من خليجي الملح على ما بينهما لئلا يخرقاه فيتصلا فقال: ( وجعل بين البحرين حاجزًا ( اي يمنع أحدهما أن يصل إلى الآخر .

ةولماكان من المعلوم أنه الله وحده .

ليس عند عاقل شك في ذلك ، كرر الإنكار في قوله: ( إله مع الله ) أي المحيط علمًا وقدرة .

ولما كان الجواب الحق قطعًا: لا ، وكان قد أثبت لهم في الإضراب الأول علمًا من حيث الحكم على المجموع ، وكان كل منهم يدعي رجحان العقل ، وصفاء الفكر ، ورسوخ اقدم في العلم بما يدعيه العرب ، قال: ( بل أكثرهم( اي الخلق الذين ينتفعون بهذه المنافع ) لا يعلمون ) أي ليس لهم نوع من العلم ، بل هم كالبهائم لإعراضهم عن هذا الدليل الواضح .

ولما دلهم بآيات الآفاق ، وكانت كلها من أحوال السراء ، وكانت بمعرض الغفلة عن الإله ، ذكرهم بما في أنفسهم مما يوجبه تغير الأحوال الدالة بمجردها على الإله ، ويقتضي لكل عاقل صدق التوجه إليه ، وإخلاص النية لديه ، والإقبال عليه ، على ذلك ركزت الطباع ، وانعقد الإجماع ، فلم يقع فيه نزاع ، فقال: ( أمن يجيب المضطر ) أي جنس الملجأ إلى ما لا قبل له به ، الصادق على القليل والكثير إذا أراد إجابته كما تشاهدون ، وعبر فيه وفيما بعده بالمضارع لأنه مما يتجدد ، بخلاف ما مضى من خلق السماوات وما بعده ) إذا دعاه ) أي حين ينسيكم الضر شركاءكم ، ويلجئكم غلىمن خلقكم ويذهل المعطل عن مذهبه ويغفله عن سوء أدبه عظيمُ إقباله على قضاء أربه .

ولما كانت الإجابة ذات شقين ، جلب السرور ، ودفع الشرور ، وكان النظر إلى الثاني أشد ، خصه بادئًا به فقال: ( ويكشف السوء( ثم أتبعه الأول على وجه أعم ، فقال مشيرًا إلى عظيم المنة عليهم بدعلهم مسلطين علين على جميع من في الأرض وما في الأرض مشرفين بخلافته سبحانه ، وذلك أقبل عليهم ، ) ويجعلكم خلفاء الأرض ( اي فيما يخلف بعضكم بعضًا ، لا يزلا يجدد ذلك بإهلاك قرن وإنشاء آخر إلىقيلم الساعة .

ولما كان هذا أبين ، كرر الإنكار فيه مبكتًا لهم بالنسيان فقال: ( أإله ) أي كائن أو موجود ) مع الله ) أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له .

ثم استأنف التبكيت تفظيعًا له

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت