فهرس الكتاب

الصفحة 2914 من 4996

صفحة رقم 457

ولما أتم الدين بذكر الأصول الثلاثة: المبدأ والمعاد والنبوة ، ومقدمات القيامة وأحوالها ، وبعض صفتها وما يكون من أهوالها ، وذلك كمال ما يتعلق بأصول الدين على وجوه مرغبة أتم ترغيب ، مرهبة أعظم ترهيب ، أوجب هذا الترغيب والترهيب لكل سامع أن يقول: فما الذي نعمل ومن نعبد ؟ فأجابه المخاطب بهذا الوحي .

المأمور بإبلاغ هذه الجوامع ، الداعي لمن سمعه ، الهادي لم اتبعه ، بأنه لا يرضى له ما رضي لنفسه ، وهو ما أمره به ربه ، فقال: ( إنما أمرت ) أي بأمر من لا يرد له أمر ، ولا يعد أن يكون بدلًا من قوله ) الحمد لله وسلام على عباده الذين اصصفى ( فيكون محله نصبًا بقل ، وعظم المأمور به بإجلاله محل العمدة فقال:( أن أعبد ) أي بجميع ما أمركم به ) رب ) أي موجب ومدبر وملك ؛ وعين المراد وشخصه وقربة تشريفًا وتكريمًا بقوله: ( هذه البلدة ) أي مكة التي تخرج الدابة منها فيفزع كل من يراها ، ثم تؤمن أهل السعادة ، أخصه بذلك لا أعبد شيئًا مما عدلتموه به سبحانه وادعيتم أنهمشركاء ، وهم من جملة ما خلق ؛ ثم وصف المعبود الذي أمر بعبادة أحد غيره بما يقتضيه وصف الربوبية ، وتعين البلدة التي أشار إليها بأداة القرب لحضورها في الأذهان لعظمتها وشدة الإلف بها وإرادتها بالأرض التي تخرج الدابة منها ، فصارت لذلك بحيث إذا أطلقت البلدة انصرفت إليها وعرف أنها مكة ، فقال: ( الذي حرمها ( تذكيرًا لهم بنعمته سبحانه عليهم وتربيته لهم بأن أسكنهم خير بلاده ، وجعلهم بذلك مهابة في قلوب عباده ، بما ألقى في القلوب من أنها حرم ، لا يسفك بها دم ، ولا يظلم أحد ، ولا يباح بها صيد ، ولا يعض شجرها ، وخصها بذلك من بين سائر بلاده والناس يتخطفون من حولهم وهم آمنون لا ينالهم شيء من فزعهم وهولهم .

ولما كانت إضافتها إليه إنما هي لمحض التشريف ، قال احتراسًا عما لعله يتوهم: ( وله كل شيء ) أي من غيرها مما أشركتموه به وغيره خلقًا وملكًا وللكًا ، وليس هو كالملوك الذين ليس لهم إلا ما حموه على غيرهم .

ولما كانوا ربما قالوا: ونحن نعبده بعبادة من نرجوه يقربنا إليه زلفى ، عين الدين الذي تكون بع العبادة فقال: ( وأمرت ) أي مع بالعبادة له وحده ، وعظم المفعول المأمور به بجعله عمدة الكلام بوضعه موضع الفاعل فقال: ( أن أكون ) أي كونًا هو في غاية الرسوخ ) من المسلمين ) أي المنقادين لجميع ما يأمر به كتابه أتم انقياد ، ثابتًا على ذلك غاية الثبات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت