فهرس الكتاب
صفحة رقم 514
ولما قامت على القدرة الشاملة والعلم التام وأنه الإله وحده إن وحدوا أو الحدوا هذه الأعلام على هذا النظام ، أقام دليلًا دالًاّ على ذلك كله بما اجتمع فيه من العلم والحكمة وتمام القدرة ، منبهًا على وجوب حمده مفصلًا لبعض ما يحمد عليه ، فقال مقدمًا الليل لأن آيته عدمية ، وهي أسبق: ( قل ( لمن ربما عاندوا في ذلك ، منكرًا عليهم ملزمًا لهم ، وعبر بالجمع لأنه أدل على الإلزام ، أعظم في الإفحام ، فقال:( أرءيتم ) أي أخبروني ) إن جعل الله ) أي الملك الأعلى نظرًا إلى مقام العظمة والجلال ) عليكم الليل ( الذي به اعتدال حر النهار ) سرمدًا ) أي دائمًا ، وقال: ( إلى يوم القيامة( تنبيهًا على أنه مما لا يتوجه إليه إنكار ) من إله غير الله ( العظيم الشأن الذي لا كفوء له .
ولماكان النور نعمة في نفسه ، ويعرف به خالقه ، صرح به وطوى أثره فقال: ( يأتيكم بضياء ) أي يولد نهارًا تنتشرون فيه ، ولقوة إعلامه وتعريفه بالله عبر بهذا دون يؤتيكم ضياء ، ولما كان الليل محل السكون ومجمع الحواس ، فهو امكن للسمع وأنفذ للفكر ، قال تعالى: ( أفلا تسمعون ) أي ما يقال لكم إصغاء وتدبر ، كما يكونن لمن هو في الليل فينتفع بسمعه من أولي العقل ) قل أرءيتم إن جعل الله ) أي الذي له الأمر كله بجلاله وباهر كماله ) عليكم النهار ( الذي توازن حرارته رطوبة الليل فيتم بهما المتابعة بزيادة الميم مبالغة فيه ) إلى يوم القيامة ) أي الذي لا يسمع عاقلًا إنكاره ) من إله غير الله ( الجليل الذي ليس له مثيل ، وهو على كل شيء وكيل .
ولما كان الظلام غير مقصود في نفسه ، وكان بعد الضياء في غاية التعريف بموحده ، عدل عن اسمه فقال معبرًا لمثل ما مضى: ( يأتيكم بليل ) أي ينشأ من ظلام ؛ ثم بين بما يدل على ما حذفه من الأول فقال: ( تسكنون فيه ( فالآية من الاحتباك: ذكر الضياء أولًا دليلًا على حذذف الظلام ثانيًانم والليل والسكون ثانيًا دليلًا على حذف النهار والانتشار أولًا .
ولما كان الضياء مما ينفذ فيه البصر قال: ( أفلا تبصرون ) أي بالبصر والبصيرة كيف تنقشع جلابيب الظلام ، عن وجوه الضياء الغر الكرام ، ثم تتقنع بسواد أردية الحياء ، وجوه الأنوار والضياء قال ابن هبيرة: قال المبرد: سلطان السمع في الليل وسلطان البصر في النهار .
ولما كان التقدير: فمن حكمته جعل لكم السمع الأبصار ، لتتدبروا آياته ، وتتبصروا في مصنوعاته ، عطف عليه ) ومن رحمته ) أي التي وسعت كل شيء لا من