صفحة رقم 569
هذا الوجه البعيد المنال البديع المثال ) لرحمة ( لهم لصقله صدأ القلوب في كل لحظة ، وتطهيره خبث النفوس في كل لمحة ) وذكرى ) أي عظيمة مستمرًا تذكرها .
ولما عم بالقول ، خص من حيث النفع فقال: ( لقوم يؤمنون ) أي يمكن أن يتجدد لهم إيمان ، ليس من همهم التعنت ، قال الحرالي في كتاب له في أصول الدين: ولما كان القرآن لسان إحاطة لم يف بالقيام به خلق من خلق الله ، لأنه ببناء على كليه أمر الله حتى أن السورة الواحدة منه لما كان موقع الخطاب بها من مدد بنائه على إحاطة أمر الله لا يستطيعها أحد من الخلق ، وإذا كان الأقل من كلام العالم لا يستطيعه مندون رتبته ، فعجز الخلق عن كلام الله أحق وأولى ، ثم كل ناظر فيه - من أيّ وجه نظره - أدرك بمقتضى علوه على رتبته وجهًا من العجز فيه ، إن كان فصيحًا بليغًا فمن جهة البلاغة ، ومعناها بلوغ الكلام في مطابقة أنبائه ويسمى الفصاحة ، وحسن نظم حروف كلماته ويسمى الجزالة ، وكمال انتظام كلماته وآياته ، ويسمى حسن النظم - إلى أنهى غاياته وأتم نهاياته ، وإن كان عالمًا بأخبار الأولين فبصحة مقتضاها فيه ، وإن كان حكيمًا فبالإعلام الأتم بوجه تقاضي المترتبات ، وبالجملة فما يكون لأحد اصل من عقل وحظ من علم - أي علم كان - إلا ويجد له موقعًا في القرآن ، يفي له بحظ بيان علو مرتبة أنبائه على نهاية مدركة منه بمقدار لا يرتاب في وقوعه فوق طور الخلق ، فكان آية باقية دائمة لم يتفاوت في تلقيه أول سامع له من آخر سامع في وجه سماعه ، فكل نبي فقدت آيته بفقده أو بفقد وقت ظهورها على يديه ، وآية محمد ( صلى الله عليه وسلم ) باقية ببقاء الله ، فجهات ظهور إعجازه تأتي على حظوظ أصناف الخلق من وجوه الإدراك ، لا يتعين لظهور الإعجاز فيه جهة ، ولا يفقد ناظر فيه حظًا يتطرق بمقدار إدراكه منه إلى يقين وجه إعجازه ، وذلك لما كان محيطًا بكل تفصيل وكل إجمال ، ولم يفرط فيه من شيء ، وكان تفصيلًا لكل شيء ولإحاطته بإثبات كل رتبة من رتب حكمة الله تعالى لم يقدر أحد من الخلق في التوقف عن الإيمان به من الجن والإنس والأحمر والأسود وجميع خلق الله ، من يعرفه الناس منهم ومن لا يعرفونهم ممن أحاط بهم علم العالمين بإعلام الله ، ومن حكم إحاطة كتابة كان ممكنًا من عالية كل ىية جاء بها نبي قبله ممن شاهد ذلك منه حاضروه ، ونقله نقل التواتر والاستفاضة حمله العلم خلفًا عن سلف ؛ ثم رتب قياسًا على إثبات النبوة فقال: إن محمدًا ( صلى الله عليه وسلم ) ذو ىية هذا القرآن المشهود ، وهذا القرآن المشهود معجز كل ذي إدراك ، وبشرى من كل جهة من جهات معاينه وبلاغته ، فو آية هذا القرآن نبي ، فمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) نبي ، أما أن ( صلى الله عليه وسلم ) ذو أيته فبالتجرية السمعية المتيقتة المسماة بالتواتر ، وأما أن هذا القرآن معجز فيما يجده كل ناظر في معناه المشتمل على تمام الحكمة فيما