فهرس الكتاب
صفحة رقم 28
اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) 73
ولما تشوف المسلم إلى إهلاك من هذا شأنه وإلى العلم بمدة ذلك ، وكان من طبع الإنسان العجلة ، أجاب من يستعجل بقوله عائدًا إلى مظهر العظمة التي يتقاضاها إذلال العدو وإعزاز الولي: ( نمتعهم قليلًا ) أي من الزمان ومن الحظوظ وإن جل ذلك عند من لا علم له ، فلا تشغلوا أنفسكم بالاستعجال عليهم فإن كل آت قريب .
ولما كان إلجاء المتجبرين إلى العذاب امرًا مستبعدًا ، أشار بأداة البعد إلى ما يحصل عنده من صفات الجلال ، التي تذل الرجال ، وتدك الجبال ، وفيه أيضًا إشارة إلى استطالة المحسنين من تمتيعهم وإن كان قليلًا في الواقع ، أو عند الله فقال: ( ثم نضطرهم ) أي نأخذهم اخذًا لا يقدرون على الانفكاك عنه بنوع حيلة ، وأشار إلى طول إذلالهم في مجة السوق بحرف الغاية ، فكان المعنى: فنصيرّهم بذلك الأخذ ) إلى عذاب غليظ ) أي شديد ثقيل ، لا ينقطع عنهم اصلًا ولا يجدون لهم منه مخلصًا من جهة من جهاته ، فكأنه في شدته وثقله جرم غليظ جدًا إذا برك على شيء لا يقدر على الخلاص منه .
ولما كان من أعجب العجب مجادلتهم مع إقرارهم بما يلزمهم به قطعًا التسليم في أن الواحد لا شريك له وأن له جميع صفات الكمال فله الحمد كله ، قال: ( ولئن ) أي يجادلون أو يقولون: بل نتبع آباءنا والحال أنهم أن ) سألتهم من خلق السموات ( بأسرها ) والأرض ( وجميع ما فيها ) ليقولن ( ولما كان الأنسب للحكمة التي هي مطلع السورة الاقتصار على محل الحاجة ، لم يزد هنا على المسند إليه بخلاف الزخرف التي مبناها الإبانة ، فقال لافتًا القول عن العظمة إلى أعظم منها فقال:( الله ) أي ( المسمى بهذا الاسم الذي جمع مسماه بين الجلال والإكرام ) فقد أقروا بأن كل ما أشركوا به بعض خلقه ومصنوع من مصنوعاته .
ولما كانوا يعتقدون أن شركائهم تفعل لهم بعض الأفعال ، فلذلك كانوا يرجونهم ويخافونهم ، كما أن ذلك واضح في قصة عم أنس الصم وغيرها ، أمره ( صلى الله عليه وسلم ) بأن يعلمهم أنه لا خلق لغيره ولا أمر ، بل هو مبدع كل شيء في السماوات والأرض كما أبدعهما ، وأن من جملة ذلك مما يستحق به الحمد سبحانه قهرهم على تصديقه صلى الله عليه السلام بمثل هذا الإقرار وهم في غاية التكذيب ، فقال مستأنفًا: ( قل الحمج ) أي الإحاطة بجميع أوصاف الكمال ) الله ) أي الذي له الإحاطة الشاملة الكاملة من غير تقييد بخلق الخافقين ولا غيره ( الأمر أعظم من مقالة قاءل ) كما أحاط بما تعلمونه من خلق السماوات