فهرس الكتاب
صفحة رقم 29
والأرض ، فهو فاعل الأفعال كلها ، كما أنه خالق الذوات كلها ، ولا شريك له في شيء من الأمر ، كما أنه لا شريك له في شيء من الخلق .
ولما كانوا يظنون أن أصنامهم تصنع شيئًا كما قالت امرأة ذي النور الدرسي رضي الله عنه: هل يخشى على الصبية من ذي الشرى ، وكما قال قوم ضمام بن ثعلبة رضي الله عنه لما سبب آلهتهم: اتق الجدام اتق البرص ، وكما قال سادن العوى ، وكما قالت ثقيف في طاغيتهم ، حتى أنهم قالوا عندما سويت بالأرض ، والله ليغضبن الأساس ، حتى حمل ذلك المغيرة بن شعبة رضي الله عنه على أن حفر الأساس ، وكانوا إذا مستهم الضراء لا سيما في البحر تبرؤوا منها ، وأسندوا الأمر إلى من هو له كما هو مضمون التوحيد ، فكان ربما قال قائل استنادًا إلى ذلك: إنهم ليعلمون ما أثبت بالتحميد ، قال: ( بل أكثرهم لا يعلمون ) أي إن الله هو المنفرد بكل شيء كما أنه تفرد بخلق السماوات والأرض ، وأنه لا يكون شيء ، إلا بإذنه لأنهم لا يعملون بما يعلمون من ذلك ، وعلم لا يعمل به عدم ، بل العدم خير منه ، وكان القليل هم المقتصدون عنه النجاة من الشدة كما سيأتي ىنفًا ، أو يكون المعنى أنه لا علم لهم أصلًا إذ لو كان لهم علم لنفعهم في علمهم بالله ، أو في أنهم لا يقرون بتفرده سبحانه بالخلق والرزق ، فيكون ذلك موجبًا لتناقضهم وملزمًا لهم بالإقرار بصدقك غي الحكم بوحدانيته على الإطلاق .
ولما أثبت لنفسه سبحانه الإحاطة بأوصاف الكمال ، شرع يستدل على ذلك ، فقال مبينًا أن ما أخبر أنه صنعه فهو له: ( لله ) أي الملك الأعظم المحيط بجميع أوصاف الكمال خاصة جون غيره ) ما في السموات( كلها .
ولما تحرر بما تقدم أنهم عالمون مقرون بما يلزم عنه وحدانيته ، لم يؤكد بإعادة )ما ( والجار ، بل قال:( والأرض ) أي كلها كما كانتا مما صنعه ، فلا يصح أن يكون شيء من ذلك له شريكًا .
ولما ثبت ذلك أنتج قطعًا قوله: ( إن الله ) أي الملك الأعظم ) هو ( أو وحده ، وأكد لأن ادعائهم الشريك يتضمن إنكار غناه ، ولذلك أظهر موضع الإضمار إشارة إلى أن كل ما وصف به فهو ثابت له مطلقًا من غير تقييد بحيثيته ) الغني ( مطلقًا ، لأن جميع الأشياء له ومحتاجة إليه ، وليس محتاجًا إلى شيء أصلًا .
ولما كان الغني قد لا يوجب الحمد لله: ( الحميد ) أي المستحق لجميع المحامد ، لأنه المنعم على الإطلاق ، المحمود بكل لسان ألسنة الأحوال والأقوال ، ولو كان نطقها ذمًا فهو حمد من حيث إنه هو الذي أنطقها ، ومن قيد الخرس .
ولما كان الغني قد يكون ماله محصورًا كما في السماوات والأرض الذي قدم أنه له ، والمحمود قد يكون ما يحمد عليه مضبوطًا مقصورًا أثبتت أنه على غير ذلك ، بل لا