صفحة رقم 56
فيها ) هداها ( لأي جعلنا هدايتها ورشدها وتوفيقها للإيمان وجميع ما يتبعه من صالح الأعمال في يدها متمكنة منها .
ولما استوفى الأمر حده من العظمة ، لفت الكلام إلى الإفراد ، دفعًا للتعنت وتحقيقًا لأن المراد بالأول العظمة فقال: ( ولكن ) أي لم أشأ ذلك لأنه ) حق القول مني ( وأنا من لا يخلف الميعاد ، لأن الإخلاف إما لعجز أو نسيان أو حاجة ولا شيء من ذلك يليق بجنابي ، أو يحل بساحتي ، وأكد لأجل إنكارهم فقال مقسمًا: ( لأملان جهنم( التي هي محل إهانتي وتجهم اعدائي بما تهجموا أوليائي ) من الجنة ) أي الجن طائفة إبليس ، وكأنه أنثهم تحقيرًا لهم عند من يستعظم أمرهم لما دعا إلى تحقيرهم من مقام الغضب وبدأ بهم لاستعظامهم لهم ولأنهم الذين أضلوهم ) والناس أجمعين ( حيث قلت لإبليس:( ) لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ( ) [ ص: 85 ] فلذلك شئت كفر الكافر وعصيان العاصي بعد أن جعلت لهم اختيارًا ، وغيبت العاقبة عنهم ، فصار الكسب ينسب إليهم ظاهرًا ، والخلق في الحقيقة والمشيئة لي .
السجدة: ( 14 - 17 ) فذوقوا بما نسيتم. .. . .
)فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّدًا وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (( )
ولما تسبب عن هذا القول الصادق أنه لا محيص عن عذابهم ، قال مجيبًا لترققهم إذ ذاك نافيًا لما قد يفهمه كلامهم من أنه محتاج إلى العبادة: ( فذوقوا ) أي ما كنتم تكذبون به منه بسبب ما حق معي من القول ) بما ) أي بسبب ما ) نسيتم لقاء يومكم ( الذي تحاسبون فيه ويظهر فيه العدل - عمل الناسي له مع أنه مركوز في طباعكم أنه لا يسوغ لذي علم وحكمة أن يدع عبيده يمرحون في أرضه ويتقلبون في رزقه ، ثم لا يحاسبهم على ذلك وينصف مظلومهم ، فكان الإعراض عنه مستحقًا لأن يسمى نسيانًا من هذا الوجه أيضًا ومن جهة أنه لما ظهر له من البراهين ، ما ملأ الأكوان صار كأنه ظهر ، وروي ثمّ نسي .
ثم علل ذوقهم لذلك أو استانف لبيان المجازاة به مؤكدًا في مظهر العظمة قطعًا لأطماعهم في الخلاص ، ولذا عاد إلى مظهر العظمة فقال: ( إنا نسيناكم ) أي عاملناكم بما لنا من العظمة ولكم من الحقارة معاملة الناسي ، فأوردنا