صفحة رقم 152
الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) 73
ولما ثبتت حكمته بما نشاهد من محكم الأفعال وصائب الأقوال ، فثبت بذلك علمه لأن الحكمة لا تكون إلا بالعلم ، وكان الرب الرحيم العليم لا تكمل ربوبيته إلا بالملك الظاهر والأيالة القاهرة التي لا شوب فيها ، ثبت البعث الذي هو محط الحكمة وموضع ظهور العدل ، فكانت نتيجة ذلك: فالله يأتي بالساعة لما ثبت من برهانها كما ترون ، فعطف عليه قوله: ( وقال الذين كفروا ) أي ستروا ما دلتهم عليه عقولهم من براهينها الظاهرة: ( لا تأتينا الساعة ( والإخبار عنها باطل .
ولما تقدم من الأدلة ما لا يرتاب معه ، أمره أن يجيبهم برد كلامهم مؤكدًا بالقسم على أنه لم يخله من دليل ظاهر فقال: ( قال بلى وربي ) أي المحسن إليّ بما عمني به معكم من النعم ، وبما خصني به من تنبئتي وإرسالي إليكم - إلى غير ذلك من أمور لا يحصيها إلا هو سبحانه ، فهو أكرم من أن يدعكم من غير أن يحشركم لينتقم لي منكم ، ويقر عيني بما يجازيكم به من أذاكم لي ولمن اتبعني ، فإنه لا يكون سيد قط يرضى أن يبغي بعض عصاه عبيده على بعض ، ويدعهم سدى من غير تأديب ، فكيف إذا كان المبغي عليه مطيعًا له ، والباغي عاصيًا عليه ، هذا ما لا يرضاه عاقل فكيف بحاكم فكيف بأحكام الحاكمين ؟ ) لتأتينكم ) أي الساعة لتظهر فيها ظهروًا تامًا الحكمة بالعدل والفضل ، وغير ذلك من عجائب الحكم والفصل .
ولما كان الحاكم لا يهمل رعيته إلا إذا غابوا من علمه ، ولا يهمل شيئًا من أحوالهم إلا إذا غاب منه ذلك الشيء ، وكانت الساعة من عالم الغيب ، وكان ما تقدم من إثبات العلم ربما خصه متعنت بعالم الشهادة ، وصف ذاته الأقدس سبحانه بما بين أنه لا فرق عنده عنده بين الغيب الذي الساعة منه والشهادة ، بل الكل عنده شهادة ، وللعناية بهذا المعنى يقدم الغيب إذا جمعا في الذكر ، فقال مبينًا عظمة المقسم به ليفيد حقية المقسم عليه لأن القسم بمنزلة الاستشهاد على الأمر ، وكلما كان المشتسهد به أعلى كعبًا وأبين فضلًا وأرفع منزلة كان في الشهادة أقوى وأكد ، والمستهشد عليه أثبت وأرسخ ، وأصفًا له على قراءة الجماعة ومستانفًا ، - وهو أبلغ - على قراءة المدنيين وابن عامر ورويس عن يعقوب بالرفع: ( عالم الغيب ( وقراءة حمزة والكسائي( علام ) بصيغة المبالغة كما هو أليق بالموضع .
ولما كنا القصور علمنا متقيدين بما في هذا الكون مع أن الكلام فيه ، قال مصرحًا بالمقصود على أتم وجه: ( لا يعزب ( - أي يغيب ويبعد عزوبًا قويًا - على قراءة