صفحة رقم 153
الجماعة بالضم ، ولا ضعيفًا - على قراءة الكسائي بالكسر ) عنه مثقال ذرة ) أي من ذات ولا معنى ، والذرة نملة حمراء صغيرة جدًا صارت مثلًا في أقل القليل فهي كناية عنه .
ولما كان في هذه السورة السباق للحمد ، وهو الكمال وجهة العلو به أوفق ولأمر الساعة ومبدأه منها بدأ بها .
ولما كان قد بين علمه بأمور السماء ، وكان المراد بها الجنس ، جمع هنا تصريحًا بذلك المراد فقال: ( في السموات ( وأكد النفي بتكرير( لا ) فقال: ( ولا في الأرض ( ولما كنا مقيدين بالكتاب ، ابتدأ الخبر بما يبهر العقل من أن كل شيء مسطور من قبل كونه ثم يكون على وفق ما سطر ، فإذا كشف للملائكة عن ذلك ازدادوا إيمانًا وتسبيحًا وتحميدًا وتقديسًا ، فقال - عند حميع القراء عاطفًا على الجملة من أصلها لا على المثقال لأن الاستثناء يمنعه:( ولا أصغر ) أي ولا يكون شيء أصغر ) من ذلك ) أي المثقال ) ولا أكبر ) أي من المثقال فما فوقه ) إلا في كتاب ( وإخبارنا به لما جرت به عوائدنا من تقييد العلم بالكتاب ، وأما هو سبحانه فغني عن ذلك .
ولما كان الإنسان قد يكتب الشيء ثم يغيب عنه وينسى مكانه فيعجز في استخراجه أخبر أن كتابه على خلاف ذلك ، بل هو حيث لا يكشف من يريد اطلاعه عليه شيئًا إلا وجده في الحال فقال: ( مبين ( ويجوز - ولعله أحسن - إذا تأملت هذه مع آية يونس أن يعطف على مثقال ، ويكون الاستثناء منقطعًا ، ولكن على بابها في كونها بين متنافيين ، فإن المعنى أنه لا يغيب ولا يبعد عنه شيء من ذلك لكنه محفوظ أتم حفظ في كتاب لا يراد منه كشف عن شي إلا كان له في غاية الإبانة ، ولعله عبر بأداة المتصل إشارة إلى أنه إن كان هناك عزوب فهو على هذه الصفة التي هي في غاية البعد عن العزوب ، ثم بين علة ذلك كله دليلًا على صدق القسم بما ختمت به الأحزاب من حكمة عرض الأمانة مما لا يمتري ذو عقل ولو قل في صحته ، وأنه لا يجوز في الحكمة أن يفعل غيره فقال:( ليجزي الذين آمنوا ) أي فإنه ما خلق الأكوان إلا لأجل الإنسان ، فلا يجوز ان يدعه بغير جزاء: ( وعملوا ) أي تصديقًا لإيمانهم ) الصالحات ( .
ولما التفت السامع إلى معرفة جزائهم ، أوردة تعظيمًا لشأنه ، جوابًا للسؤال مشيرًا إليه بما دل على علو رتبته بعلو رتبة أهله: ( أولئك ) أي العالو الرتبة ) لهم مغفرة ) أي لزلاتهم أو هفواتهم لأن الإنسان المبني على النقصان لا يقدر العظيم السلطان حتى قدره ) ورزق كريم ) أي جليل عزيز دائم لذيذ نافع شهي ، لا كدر فيه بوجه .
ولما كانت أدلة الساعة قد اتضحت حتى لم يبق مانع من التصديق لها إلا العناد ، وكان السياق لتهديد من جحدها ، قال معبرًا بالماضي: ( والذين سعوا ) أي فعلوا فعل