صفحة رقم 192
يقال: الذي يدل عليه استغراق جميع الزمان الماضي بالتجريد عن الخافض أن المراد إنما هو نفي الإرسال بهذا الباطل الذي إدعوه لا مطلق الإرسال ، وأكد النفي بقوله: ( من نذير ) أي ليكون عندهم قول منه يغبر في وجه القرآن ، فيكون حاملًا لهم على الطعن .
ولما نفى موجب الطعن ، ذكر المانع الموجب للإذعان فقال: ( وكذب ) أي فعلوا ما فعلوا ، الحال أنه قد كذب ) الذين من قبلهم ) أي من قوم نوح ومن بعدهم بادروا إلى ما بادر إليه هؤلاء ، لأن التكذيب كان في طباعهم لما عندهم من الجلافة والكبر ) وما بلغوا ) أي هؤلاء ) معشار ما آتيناهم ) أي عشرًا صغيرًا مما آتينا أولئك من القوة في الأبدان والأموال والمكنة في كل شيء من العقول وطول الأعمار والخلو من الشواغل ) فكذبوا ) أي بسبب ما طبعوا عليه من العناد ، وأفرد الضمير كما هو حقه ونصًا على أن النون فيما مضى للعظمة لا للجمع دفعًا لتعنت متعنت فقال: ( رسلي ( .
ولما كان اجتراؤهم على الرسل سبب إهلاكهم على أوجه عجيبة ، صارت مثلًا مضوربًا باقيًا إلى يوم القيامة ولم يغن عنهم في دفع النقم ما بسط لهم من النعم ، كان موضع أن يقال لرائيه أو لسامعه: ( فكيف كان نكبر ) أي فيما كان له من الشدة التي هي كالجبلة أي إنكاري على المكذبين لرسلي ، ليكون السؤال تنبيهًا لهذا المسؤول وداعيًا له إلى الإذعان خوفًا من أن يحل به ما حل بهم أن فعل مثل ما فعلهم سواء كان الإنكار في أدنى الوجوه كما أوقعناه سببًا من تعطيل الأسباب ، أو أعلاها كما أنزلنا بقوم نوح عليه السلام ومن شاكلهم وصب العذاب والاستئصال الوحيّ بالمصاب على ما أشارت إليه قراءتا حذف الياء وإثباتها .
سبأ: ( 46 - 49 ) قل إنما أعظكم. .. . .
)قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٍ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ قُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (( )
ولما أبطل شبههم كلها ، وليّن من عريكتهم بالتنبيه على التحذير ، فصاروا جديرين بقبول الوعظ ، وكان مما رموه به - وحاشاه - الجنون وتعمد الكذب ، أمره بالإقبال عليهم به مخففًا له لئلا ينفروا من طوله فقال: ( قل ( وأكده زيادة في استجلابهم إلى الإقبال عليه فقال:( إنما أعظكم بواحدة ) أي فاسمعوا ولا تنفروا خوفًا من أن أملّكم ؛ ثم استأنف قوله بيانًا لها: ( أن تقوموا ) أي توجهوا نفوسكم إلى تعرف الحق ، وعبر بالقيام