صفحة رقم 218
للكافرين في صعوبة الموت وسهولته والبلى وغيره مما يخفى ولا يقر به الكفار من الشقاوة والسعادة .
ولما كان ما ذكر على هذا الوجه - من وضوح الدلالة على الفعل بالاختيار وعلى ضلال من أشرك به شيئًا لأنه لا يشابهه شيء - بمكان ليس معه خفاء ، ومن الإحكام بحيث لا يدانيه كلام يعجب السامع ممن يأباه ، فقال مزيلًا عجبه مقررًا أن الخشية والقسوة إنما هما بيده ، وإن الإنذار إنما هو لمن قضى بانتفاعه ، مسليًا لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ، مؤكدًا ردًا على من يرى لغيره سبحانه فعلًا من خير أو شر: ( إن الله ) أي القادر على المفارقة بين هذه الأشياء وعلى كل شيء بما له من الإحاطة بصفات الكمال ، وعبر بالفعل إشارة إلى القدرة على ذلك في كل وقت أراده سبحانه فقال: ( يسمع من يشاء ) أي فيهديه ولو لم يكن له قابلية في العادة كالجمادات ، ويصم ومن يشاء فيعميه وينكسه ويرديه من أحياء القلوب والأرواح ، وأموات المعاني والأشباح ، والمعنى أن إسماعهم لو كان مستندًا إلى الطبائع لاستووا إما بالإجابة أو الإعراض لأن نسبة الدعوة وإظهار المعجزة إليهم على حد سواء ، فالآية تقرير أية ) إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب ( .
ولما كان المعرض قد ساوى الميت في حاله التي هي عدم الانتفاع بما يرى ويسمع من الخوارق ، فكان كأنه ميت ، قال معبرًا بالأسمية تنبيهًا على عدم إثبات ذلك له ( صلى الله عليه وسلم ) : ( وما أنت ) أي بنفسك من غير إقدار الله لك ، وأعرق في النفي فقال: ( بمسمع ) أي بوجه من الوجوه ) من في القبور ) أي الحسية والمعنوية ، إسماعًا ينفعهم بل الله يسمعهم إن شاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ، والآية دليل على البعث .
ولما كان هذا خاصة الإله ، أشار إلى نفيه عنه مقصرًا على وصف النذارة ، إشارة إلى أن أغلب الخلق موتى القلوب ، فقال مؤكدًا للرد على من يظن أن النذير يقدر على هداية أو غيرها إلا بإقداره ) إن ) أي ما ) أنت إلا نذير ) أي تنبه القلوب الميتة بقوارع الإنذار ، ولست بوكيل يقهرهم على الإيمان ، ولما كان ( صلى الله عليه وسلم ) نبي الرحمة ، وكان الاقتصار على هذا الوصف ربما أوهم غير ذلك ، أتبعه قوله بيانًا لعظمته ( صلى الله عليه وسلم ) بالالتفات إلى مظهر العظمة ) أرسلناك ) أي إلى هذه الأمة إرسالًا مصحوبًا ) بالحق ) أي الأمر الكامل في الثبات الذي يطابقه الواقع ، فإن من نظر إلى كثرة ما أوتيته من الدلائل علم مطابقة الواقع لما تأمر به ، والتقدير بالمصدر