فهرس الكتاب
صفحة رقم 260
تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ وَآيَةٌ لَّهُمُ الْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) 73
ولما ذكر سبحانه ما في الزروع وما لا ساق له من النعمة والقدرة ، ودل السياق فيه على الحصر ، أتبعه ما بين المراد التعظيم لا الحصر الحقيقي بإظهار المنة في غيره من الأشجار الكبار والصغار ذات الأقوات والفواكه ، فقال دالًا على عظمه بمظهر العظمة: ( وجعلنا ) أي بما لنا من العظمة ) فيها ) أي الأرض ) جنات ) أي بساتين تستر داخلها بما فيها من الأشجار الملتفة .
ولما كان النخل - ما ما فيه من النفع - زينة دائمًا بكونه لا يسقط ورقه ، قدمه وسماه باسمه فقال: ( من نخيل ( وفيه أيضًا إشارة إلى أنه نفع كله خشبه وليفه وشعبه وخوصه وعراجينه وثمره طلعًا وجمارًا وبسرًا ورطبًا وتمرًا ، ولذلك - والله أعلم - أتى فيه بصيغة جمع الكثرة كالعيون ، ولما كان الكرم لا تكون له زينة بأوراق تجن إلا ما كان العنب قائمًا قال: ( وأعناب ( ودل بالجمع فيهما دون الحب على كثرة اختلاف الأصناف في النوع الواحد الموجب للتفاوت الظاهر في القدر والطعم وغير ذلك .
ولما كانت الجنات لا تصلح إلا بالماء ، وكان إلا بالماء ، وكان من طبع الماء الغور في التراب والرسوب بشدة السريان إلى أسفل ، فكان فوارنه إلى جهة العلو أمرًا باهرًا للعقل لا يكون إلا بقسر قاسر حكيم قال: ( وفجرنا ) أي فتحنا تفتيحًا عظيمًا ) فيها ( ودل على تناهي عظمته وتعالبها عن أن يحاط بشيء منها بالتبعيض بقوله: ( من العيون ( والتعريف هنا يدل على أن الأرض مركبة على الماء ، فكل موضع منها صالح لأن ينفجر منه الماء ، ولكن الله يمنعه عن بعض المواضع بخلاف الأشجار ليس منها شيء غالبًا على الأرض ، ففي ذلك تذكير بالنعمة في حبس الماء عن بعض الأرض لتكون موضعًا للسكن ، ولو شاء لفجر الأرض عيونًا كما فعل بقوم نوح عليه السلام فأغرق الأرض كلها .
ولما كانت حياة كل شيء إنما هي الماء ، أشار إلى ذلك بقوله: ( ليأكلوا من( وأشارت قراءة حمزة والكسائي بصيغة الجمع مع إفراد الضمير إلى أن الشجرة الواحدة تجمع بالتطعيم أصنافًا من الثمر ) ثمره ) أي من ثمر ما تقدم ، ولولا الماء لما طلع ، ولولا أنه بكثرة لما أثمر بعد الطلوع .
ولما كان الإنسان قد يتسبب في تربية بعض الأشياء ، أبطل سبحانه الأسباب فيما يمكن أن يدعو فيه تسببًا ، ونبه على أن الكل بخلقه فقال: ( وما عملته ) أي ولم تعمل شيئًا من ذلك ) أيديهم ) أي عملًا ضعيفًا - بما أشار إليه تأنيث الفعل فكيف بما فوقه