فهرس الكتاب

الصفحة 3383 من 4996

صفحة رقم 281

ولما كان هذا القرآن مبينًا ، وكان الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) متخلقًا به ، فهو مظهره وصورة وسورته ، فكان حاله مقتضيًا لئلا يتخلف عن الإيمان حيّ ، قال مظهرًا لما كان حقه في بادي الأمر الرأي الإضمار إفادة للتعميم مبينًا لأن حكمه سبحانه منع من ذلك ، فانقسم المنذورن إلى قسمين: ( من كان( كونًا متمكنًا ) حيًا ) أي حياة كاملة معنوية تكون سببًا للحياة الدائمة ، فإنه لا يتوقف حينئذ عن الإيمان به خوفًا مما يخوف به من الأمور التي لا يتوجه إليها ريب بوجه ، فيرجى له الخير ، فهو مؤمن في الحقيقة وإن ظهر عليه في أول أمره خلاف ذلك ، وأفرد الضمير هنا على اللفظ إشارة إلى قلة السعداء ، وجمع في الثاني على المعنى إعلامًا بكثرة الأشقياء ) ويحق ) أي يجب ويثبت ) القول ) أي بالعذاب ) على الكافرين ) أي العريقين في الكفر فإنهم أموات في الحقيقة وإن رأيتهم أحياء ، فالآية من الاحتباك: حذف الإيمان أولًا لما دل عليه من ضده ثانيًا ، وحذف الموت ثانيًا لما دل عليه من ضده أولًا ، فتحقق بهذا أن أعظم منافاة القرآن للشعر وكذا السجع من أجل أنه جد كله ، فمحط أساليبه بالقصد الأول المعاني والألفاظ تابعة ، والشاعر والساجع محط نظرهما بالقصد الأول الروي والقافية الفاصلة حتى أن ذلك ليؤدي إلى ركة المعنى والكلام بغير الواقع ولا بد ، كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه وحاله معروف في البلاغة والتفنن في أساليب الكلام وصدق اللهجة وحسن الإسلام في غزوة الغابة وكان أميرها سعد بن زيد الأشهلي رضي الله عنه:

أسر أولاد اللقطية أننا سلم غذاة فوارس المقداد

فغضب سعد على حسان رضي الله عنهما وحلف: لا يكلمه أبدًا ، وقال: انطلق إلى خيلي وفوارسي ، فجعلها للمقداد ، فاعتذر إليه حسان رضي الله عنهما ومدحه بأبيات وقال: والله ما أردت ذلك ولكن الروي وافق اسم المقداد ، لأن القصيدة دالية ، فالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) لا يدور في فكره أبدًا قصد اللفظ ، فإنه من باب الترويق ، وهو ( صلى الله عليه وسلم ) جد كله ، فهو لا يعدل عنه لأنه موزون ، بل لأنه لا يؤدي المعنى كما أن العرب تعدل عن اللحن ولا تحسن النطق به ولا تطوع ألسنتها له لكونه لحنًا ، لا لكونه حركة ، فإن وافق شيء من الموزون ما أريد من المعنى لأجل أداء المعنى قاله ، كما يقع لكثير من المصنفين الكلام الموزون وما قصده ، وكما وقع كثير من الكلام الموزون من جميع أبحر الشعر في القرآن وإن لم يوافق المعنى لم يقله ، وعلى هذا يتخرج قوله ( صلى الله عليه وسلم ) :

أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب

لو تظاهر الإنس والجن على أن يأتوا بما أداه من المعنى في ألفاظه أو مثلها على غير هذا النظم لم يقدروا ، وإذا تأملت كل بيت تمثل به فكسره لا تجده كسره إلا لمعنى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت