صفحة رقم 283
الأشياء الصعبة جدًا لغيره فهو قادر على تطويع الأشياء لنفسه ، ثم سبب عن ذلك قوله: ( فمنها ركوبهم ) أي ما يركبون ، وهي الإبل لأنها أعظم مركوباتهم لعموم منافعها في ذلك وكثرتها ، ولمثل ذلك في التذكير بعظيم النعمة والنفع واستقلال كل من النعمتين بنفسه أعاد الجار ، وعبر بالمضارع للتجدد بتجدد الذبح بخلاف المركوب فإن صلاحه لذلك ثابت دائم فقال: ( ومنا يأكلون ( .
ولما أشار إلى عظمة نفع الكركوب والأكل بتقديم الجار ، وكانت منافعها من غير ذلك كثيرة ، قال: ( ولهم فيها منافع ) أي بالأصواف والأوبار والأشعار والجلود والبيع وغير ذلك ، وخص المشرب من عموم المنافع لعموم نفعه ، فقال جامعًا له لاختلاف طعوم ألبان الأنواع الثلاثة ، وكأنه عبر بمنتهى الجموع لاختلاف طعوم أفراد النوع الواحد لمن تأمل ) ومشارب ) أي من الألبان ، أخرجماها مميزة عن الفرث والدم خالصة لذيذة ، وكل ذلك لا سبب له إلا أن كلمتنا حقت به ، فلم يكن بد من كونه على وفق ما أردنا ، فليحذر من هو أضعف حالًا منها من حقوق أمرنا ومضي حكمنا بما يسوءه .
ولما كانت هذه الأشياء من العظمة بمكان ، لو فقده الإنسان لتكدرت معيشته ، سبب عن ذلك استئناف الإنكار عليهم في تخلفهم عن طاعته بقوله: ( أفلا يشكرون ) أي يوقعون الشكر ، وهو تعظيم المنعم لما أنعم وهو استفهام بمعنى الأمر .
يس: ( 74 - 76 ) واتخذوا من دون. .. . .
)وَاتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (( )
ولما ذكرهم نعمه ، وحذرهم نقمه ، عجب منهم في سفول نظهم وقبح أثرهم ، فقال موبخًا ومقرعًا ومبكتًا ومعجبًا من زيادة ضلالهم عادلًا عن مظهر العظمة إلى أعظم منه: ( واتخذوا ) أي فعلنا لهم ذلك والحال أنهم كلفوا أنفسهم على غير ما تهدي إليه الفطرة الأولى أن أخذوا ، أو يكون معطوفًا على ( كانوا ) من قوله: ( إلا كانوا به يستهزءون ( فيكون التقدير: إلا كانوا يجددةن الاستهزاء ، واتخذوا قبل إرساله إليهم مع ما رأوا من قدرتنا وتقبلوا فيه من نعمتنا:( من دون الله ) أي والذي له جميع العظمة ، فكل شيء دونه ، وما كان دونه كان مقهورًا مربوبًا ) آلهة ) أي لا شيء لها من القدرة ولا من صلاحية الإلهية .
ولما تقرر أنها غير صالحة لها أهلوها له ، تشوف السامع إلى السؤال عن سبب ذلك ، فقال جوابًا له تعجيبًا من حالهم: ( لعلهم ) أي العابدين .
ولما كان مقصودهم حصول النصر من أي ناصر كان ، بني للمفعول قوله: ( ينصرون ) أي ليكون حالهم بزعمهم في اجتماعهم عليها والتئامهم بها حال من ينصر على من يعاديه ويعانده ويناويه .